أين القضية؟ بقلم : مصباحي رضا
إن القضية الفلسطينية تجسدت في الصراع العربي الإسرائيلي منذ العام 1948م بكل تداعياتها وحروبها ومفاوضاتها، لكنها تحولت عبر الزمن إلى صراع بين طرفين فلسطيني وإسرائيلي فقط، بدوافع داخلية و خارجية أهمها التخاذل العربي المشين، إنطلاقا من إبرام إتفاقيات السلام
- إتفاقية كامب ديفد 17 سبتمبر1978م مصر.
- إتفاقية أوسلو 13 سبتمبر1993م منظمة التحرير الفلسطينية.
- معاهدة وادي عربة 26 أكتوبر1994م الأردن.
ووصل إلى درجة تقديم المبادرات من دول غير مجاورة للكيان الغاصب وتعتبر رائدة للعالم الإسلامي برمته (السعودية) وعلى لسان أميرها عبد الله بن عبد العزيز ولي العهد آنذاك، والتي تبنتها الدول العربية بالإجماع في قمة بيروت 29 مارس 2002م، كمبادرة للتمسك بالسلام العادل والشامل كخيار إستراتيجي لها، بتقديم العرض التالي:
- إعتبار النزاع العربي الإسرائيلي منتهي بصفة نهائية.
- الدخول في إتفاقيات سلام بين كل الدول العربية وإسرائيل.
- العمل على تحقيق و حفظ الأمن لجميع دول المنطقة بما فيها إسرائيل.
- إنشاء علاقات طبيعية وعادية مع الكيان الإسرائيلي.
مقابل إلتزام تـام من الطرف الإسرائيلي بتطبيق قرارات الشرعية الدولية، والمتمثلة في:
- الإعلان أن السلام العادل هو الخيار الإستراتيجي لها.
- الإنسحاب الكامل من جميع الأراضي العربية المحتلة حتى الخط الرابع من يونيو (حزيران) 1967م تنفيذا لقراري مجلس الأمن (242 – 338)، وقرارات مؤتمر مدريد 1991م، والأرض مقابل السلام.
- التوصل إلى حل عادل لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين يتفق عليه وفقا لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194.
- قبول قيام دولة فلسطينية ذات سيادة على الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ الخط الرابع من يونيو (حزيران) 1967م في الضفة الغربية وقطاع غزة وعاصمتها القدس الشرقية.
غير أن هذه المبادرة لم تجد صداها، ولم يعير لها الطرف الإسرائيلي أي إهتمام يذكر، كما لم تجد الدعم الكافي والمنتظر من المجتمع الدولي بكل هيئاته ومنظماته مما عجل بوأدها منذ اللحظة الأولى.
الغريب في الأمر أن الدول العربية تطلب من إسرائيل قبول قيام دولة فلسطينية في أرضها وعلى حدودها، أي سياسيا وكأنها غير قائمة في الذهن السياسي العربي والفلسطيني، وهذه النقطة بالذات تضر بالقضية برمتها وتنعكس سلبا بإضعاف الموقف الفلسطيني في عملية التفاوض من أجل تحقيق التسوية الشاملة والنهائية، وتجعل الطرف الإسرائيلي يناور سياسيا من موضع قوة، لأنه هو المطلوب منه قبول قيام الدولة الفلسطينية في عملية التسوية، وبالتالي فإن قبوله أو رفضه يتم وفقا لرأيته السياسية التي تخدم مصالح دولته وشعبه.
والأدهى والأمر هو ما نشاهده اليوم من ظاهرة خطيرة جدا إستجدّت على الساحة الفلسطينية والدولية، دخل في صلبها الطرف الفلسطيني من حيث لا يعلم، أو بالأحرى أدخله الإسرائيليون عن قصد، لأنهم إنتقلوا إستراتيجيا من المرحلة الأولى (فك الإرتباط) وهي تهدف لتحييد الصراع العربي الإسرائيلي وتحويله إلى صراع فلسطيني إسرائيلي بإمتياز، بغرض إضعاف الموقف السياسي الفلسطيني وحرمانه من الدعم العربي الكامل كطرف في القضية وشريك فيها، والإكتفاء بموقف المتفرج والداعم ببيانات الإستنكار والتنديد، وهذا ما حصل بالفعل في كل الإستحقاقات السياسية الراهنة، وبالتالي يعتبر ناجحا كاملا للسياسة الإسرائيلية في تحقيق الهدف الأول.
أما المرحلة الثانية والأخطر (التشويش والتشكيك) وهي تهدف إلى تشكيك الطرف الفلسطيني داخليا في قيام دولته وعلى أرضه التاريخية، وهذا ما أنعكس بالسلب سياسيا على السلطة الفلسطينية فأصبحت تبحث عن الدعم والتأييد للإعتراف بقيام الدولة الفلسطينية، مثلما حدث من بعض الدول اللاتينية وعلى رأسها الأرجنتين في هذه السنة 2010م، حيث أصبح الإعتراف إنجازا كبيرا تفرح وتهلل به السلطة، وهو في حقيقة الأمر تراجع سياسي للخلف وبدرجة كبيرة جدا، أصاب السياسيين الفلسطينيين في إيمانهم بقضيتهم وبدولتهم الشرعية والتاريخية على أرضهم. وهذا ما يؤشر لنجاح إسرائيلي للمرة الثانية بإضعاف الموقف السياسي للسلطة الفلسطينية بما يخدم أجندته السياسية لفرض الشروط والإملاءات في ملف المفاوضات النهائية على إعتبار أن الطرف الفلسطيني منهار سياسيا بسبب تحييد الطرف العربي المساند للقضية وتشكيك الفلسطينيين في الموقف الدولي من قضيتهم، وهذا ما يصبوا إلى تحقيقه الكيان الإسرائيلي الغاصب في أفضل حالاته.
كان من المفترض أن تكون إسرائيل المغتصبة للأرض هي من تستجدي المجتمع الدولي للإعتراف بها كدولة كاملة الأركان والعضوية في منظمة الأمم المتحدة، لكن للأسف الشديد إنتقلت الحقيقة بإنقلاب الصورة، و بات صاحب الأرض الحقيقي والتاريخي هو من يستجدي الدول الثائرة ضد الإمبريالية الدولية للإعتراف بدولته الشرعية أصلا.
كما تبدو نبرة الممارسة السياسية للسلطة الفلسطينية متسقة تماما مع وتيرة الطرف الإسرائيلي، مما سهل عليه تحقيق أهدافه بكل سهولة ويسر، وعلى حساب مصلحة الطرف الفلسطيني الذي وصل إلى مرحلة الإنسداد التام لعملية التسوية برمتها، بسبب التعنت الصهيوني لعدم توقيفه للإستيطان بالضفة الغربية، وهذا ما جعل السياسيين يطرحون العديد من الأسئلة وبشكل قوي جدا في هذه المرحلة بالذات، بالنسبة للطرف الفلسطيني طبعا، لأنه هو المطالب بعمل جردة حساب لمسيرة من التفاوض إنطلقت لتحقيق حلم الدولة الفلسطينية منذ إتفاقية أوسلو في عام 1993م و إلى يومنا هذا، وبالتالي الأسئلة تطرح نفسها: أين القضية؟ إلى أين تسير؟ هل هي في الطريق صحيح؟ هل حققت أهدافها المرجوة؟ هل يجب المواصلة على نفس النهج مع زيادة الدعم الكافي؟ هل يوجد ضرورة لتغيير المسار والنهج برمته؟.
كل الأجوبة المقترحة لهذه الأسئلة ستحيلك إلى نقطة واحدة فقط وهي ضرورة تغيير المسار كليا بغرض تصحيح كل الأخطاء السابقة. كان يجدر بالقيادة الفلسطينية ممثلتا في شخص الرئيس عباس ومن معه ممن لهم سلطة القرار أن يؤمنوا بأن دولة فلسطين قائمة بالنسبة لهم على الأقل، والعمل بهذا المنطق وفرضه على الجميع، حب من أحب وكره من كره سواء إعترف العالم كله أو لم يعترف، لأن هذا الإيمان الراسخ في الذهن والقلب والوجدان إنطلاقا من التاريخ والأرض والشعب، وكلها عناصر شكلت الدولة الفلسطينية قبل الإحتلال الإسرائيلي أصلا.
وحتى لا نقول كلاما إنشائيا للسلطة، نأخذ لها من واقع الممارسة السياسية الدولية نموذجا ناجحا وواضحا في هذا السياق، وهو التجربة الإيرانية الماثلة أمامنا اليوم، حيث نجد الإسرائيلين ومن ورائهم كل الغرب يرفضون حق إيران في إمتلاك الطاقة النووية لعدم إختلال موازين القوى في منطقة الشرق الأوسط لغير صالح إسرائيل، ولكن الساسة الإيرانيين بالرغم من كل الضغوط والعقوبات يؤمنون إيمانا قاطعا وراسخا بأنه من حقهم إمتلاك هذه التقنية المشروعة، وساروا في تنفيذ مشروعاتهم العلمية لتحقيق ما يؤمنون به لخدمة مصلحة شعبهم وبلدهم، وبالتالي فرضوا منطقهم على العالم بأسره، وهذا ما جعل الغرب يتدخل لكي يوقف الإسرائليين عن فعل أي تهور عسكري يضر بالمنطقة برمتها، إضافة إلى دعوة للمفاوضات من الإتحاد الأوربي وأخرى من المجتمع الدولي لعرض حزمة من الإمتيازات الإيجابية لدعم إيران حين التوقف عن برنامجها العلمي. والعبرة الأساسية هنا أن تكون الممارسة السياسية للإيرانيين قدوة لأصحاب القرار الفلسطينيين بالإيمان بقضيتهم وفرض منطقهم على الجميع بما يخدم مصالحهم ومصالح شعبهم.
ولتجسيد هذا المنطق، على عباس بصفته صاحب القرار في دولة فلسطين، أن يكف عن هذه المفاوضات العبثية بالمفهوم السياسي، والتي لا طائل من ورائها سوى ربح الوقت للطرف الإسرائيلي الذي يظهر كمتعاون وراغب في تحقيق السلام عكس الفلسطينيين الغير قادرين على فعل ذلك، وبالتالي عليه أن يوجه كل طاقاته وسلطاته في جمع ولم شمل كل التيارات السياسية الفلسطينية بمختلف تلويناتها الإسلامية، القومية والإشتراكية، وكل من له القدرة على فعل أي شيئ يفيد القضية برمتها، لأن العمل الوحيد في هذه المرحلة والذي يفهمه الإسرائيليون ومن ورائهم الأمريكان والأوربيين هو وحدة الصف الداخلي، وهو الضمان الوحيد للرد على تعنت الطرف الآخر. الوحدة في مشروع سياسي مشترك ومؤقت هدفه التحرير بكل السبل والوسائل المتاحة، على قاعدة كل الخيارات والبدائل السياسية متوفرة ومفتوحة للنقاش والحوار، لا مفاوضات ولا لقاءات مع الطرف الأخر بكل مكوناته الإسرائليين، الأمريكان والأوربيين ( جورج ميتشل مبعوث الرئيس الأمريكي للسلام في الشرق الأوسط – توني بلير مبعوث الرباعية للسلام في الشرق الأوسط).
فإذا تحققت الوحدة في هذا المشروع السياسي سوف يكون لعباس الفضل في الرجوع بالمنظمة إلى جادة الصواب، أما إذا لم يستطع فقد إنتفى مبرر وجوده على رأس السلطة بسبب عجزه عن خلق الحلول السياسية إنطلاقا من الداخل الفلسطيني، والعمل دائما على إنتظار العامل الخارجي لتقديم المبادرات ( الرباعية – الراعي الأمريكي ) التي في غير صالح الشعب الفلسطيني غالبا، لكن عباس يتعامل معها بكل جدية وحزم، وهذا دليل قاطع على إفلاسه السياسي، حيث لم يعد في جعبته ما يقدمه لفائدة للقضية. وهذا عكس المغفور له أبو عمار الذي كان يخرج من عنق الزجاجة دائما، فكلما واجهته أزمة حقيقة بين مختلف الأطراف السياسيين إلا أستطاع إستيعابها وبسرعة كبيرة جدا، وأكبر دليل على ذلك عدم وصول حالة الإنقسام والإنسداد بين فتح وحماس إلى هذه الحدة التي نراها اليوم طيلة فترة حياته على رأس السلطة الفلسطينية.
ونظرا للمسؤولية السياسية الملقاة على صاحب القرار في السلطة، حيث عليه تحريك الملف برمته والإمساك بزمام الأمور لخلق الحلول إذا لم تأتي من الخارج على الأقل، فيكون له طرح وتصور وبدائل تنطلق من الداخل الفلسطيني ليشركها في المعادلة السياسية ويفاوض بها على أقل تقدير، وأبسط مثال على ذلك خيار المقاومة الذي تطرحه عديد القوى السياسية في المجتمع، وكلها أرواق سياسية قوية تصب في مصلحة القضية، ولكنه يتغاضى عنها؟.
يجب على صاحب القرار أن يكون بقدر المسؤولية أو يترك المجال لغيره إذا كان عاجزا عن فعل أي شيء يخدم قضيته، عليه أن يكون رئيسا وزعيما لكل الفلسطينيين، وأن يؤمن بالدولة التي هو زعيمها سواء إعترف بها الغير أو لم يعترفوا، وبذلك يكون السياسي الحقيقي الناجح الذي يريد فعلا تحرير بلده، ولكم في ذلك الجزائر كأفضل نموذج حاضر في أذهاننا، حيث إجتمع كل السياسيين على قلب رجل واحد في حزب جبهة التحرير الوطني، وفي مشروع سياسي واحد وهو التحرير، ولمّا آمن الرجال بهذه القضية التي يناضلون من أجلها ويبذلون لها كل غالي ونفيس تحقق لهم النصر، لأنهم أتبعوا السنن الكونية التي من أنتهجها وصل إلى مبتغاه، ومن لم يصل يكفيه شرف المحاولة في خدمة القضية.


هناك تعليق واحد:
الله عليك يا رضا
مشكور مقال سياسي يستاهل يكون في احد الجرائد الكبرى
إرسال تعليق