بقلم : مصباحي رضا.
الإستقرار السياسي والإجتماعي، مطلب ضروري جدا للنظم السياسية الحاكمة من أجل المضي قدما ببرامج الحكومات نحو تحقيق التنمية الشاملة، بتوفير مختلف متطلبات الشعوب من خدمات متعددة إقتصادية، إدارية، تربوية، أمنية وصحية...، وبجودة عالية من حيث النوعية، فتتحقق الفائدة المتبادلة والتي تخدم الطرفين الحاكم والمحكوم.
ولتحقيق هذا الإستقرار المنشود من طرف الجميع، يجب أن تتوفر عدة عناصر ضرورية أهمها الحكومة القوية المشكلة من الأغلبية البرلمانية وبتوافق مع بقية القوى السياسية المشاركة في العملية السياسية والممثلة في البرلمان. تستطيع تحمل المسؤولية إنطلاقا من قراءة صحيحة للساحة السياسية، ثم التحلي بالحكمة وأخذ زمام المبادرة ببرامج وخطط حقيقية موجهة للتوزيع العادل للثروة وعلى مختلف مناطق الدولة بالتساوي، كأفضل ضمان لتحقيق التنمية الشاملة.
وإذا أسقطنا هذا الفكر السياسي على الحالة اللبنانية التي نشاهدها اليوم، نرى بأن الوضع الداخلي في تأزم دائم، جراء هذا الإصطفاف السياسي المقيت والقابل للتحول إلى ديني (سني/ شيعي) بما يؤجج روح الطائفية التي لا تخدم البلد على الإطلاق، وتعطل مسيرة التنمية فيها بسبب تمسك كل طرف بخياراته السياسية التي يؤمن بها. دون فسح المجال لمساحة من التوافق والتلاقي من أجل تغليب المصلحة العامة للبلاد على حساب المصلحة السياسية الضيقة لكل طرف.
هذه الوضعية الخطيرة التي آلت إليها لبنان، والتي تهدد بفرط عقد الأمن والسلم الإجتماعي نتيجة الصراع الدائر بين تيارين مختلفين في التوجه السياسي، إنطلاقا من تبنيهما لمشروعين إقليميين متناقضين في الشكل والمضمون.
إحداهما يدعى "تيار الموالاة" 14 آذار، ويمثل كبرى الأحزاب والحركات السياسية التي ثارت على الوجود السوري في لبنان بعد إغتيال رئيس الوزراء السابق الشهيد رفيق الحريري أهمها "تيار المستقبل – القوات اللبنانية – حزب الكتائب..."، ومن أبرز قادته رئيس الوزراء في حكومة تصريف الأعمال سعد الحريري، سمير جعجع، الرئيس السابق إيميل الجميّل.
تلقى هذا التحالف الدعم من بعض الدول أهمها فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية، وفي الجوار العربي دول "محور الإعتدال" بزعامة السعودية ومصر، ما جعل التحالف يتبنى مشروعهم السياسي في أهدافه العامة، والقاضي بنشر مناخ سياسي في المنطقة العربية يتبنى السلام فقط كخيار إستراتيجي للتهدئة التي تجلب الإستقرار، ومن وراءها يفسح المجال واسعا للحكومات الساعية لرفاهية المواطن وتحقيق التنمية الشاملة بعيدا عن كل الصراعات بمختلف أنواعها...!!!.
يدّعي أنصار هذا التوجه أنه على العالم العربي الرقي بفكره نحو مرحلة متقدمة من البارغماتية السياسية التي تؤمن بالمصالح كمبدأ أساسي في تحقيق الأهداف، والإبتعاد عن كل ديماغوجية ناشئة عن شعارات الكرامة، العزة، الشرف...، وكلها مصطلحات تصنف في الجانب العاطفي الذي لا يقدم الحلول السياسية الفعالة حسب رأييهم.
والآخر يدعى "تيار الممانعة" 8 آذار، ويمثل تحالف سياسي إلتأم عقب خروج سوريا من لبنان لشكرها على كل ما قدمته للمقاومة التي حفظت لبنان، ويتكون من بعض القوى والتيارات السياسية أهمها "حزب الله - حركة أمل – تيار المرة – التيار الوطني الحر..."، ومن أبرز قادته حسن نصر الله، ميشال عون ونبيه بري. كما ألتحق بالركب رئيس اللقاء الديمقراطي النائب الدرزي وليد جمبلاط بعد العديد من الصراعات والنزاعات الطويلة جراء العداء السياسي لهذا التيار، إلا أنه إرتدّ على مواقفه السابقة وأعاد الإصطفاف بمزيد من التقارب مع محور الممانعة.
تلقى هذا التحالف الدعم من بعض دول المنطقة، أهمها سوريا وإيران اللتان ينتهجان مشروع سياسي إقليمي داعم للمقاومة بكل أشكالها السياسية والعسكرية، لمجابهة الهيمنة الأمريكية على مقدرات المنطقة العربية لصالح الكيان الصهيوني، وبما يخدم المصلحة القومية الأمريكية، بالتعاون مع بعض الأقطار العربية للأسف الشديد...!!!.
كما أنخرط في هذا التوجه كل من دولتي قطر وتركيا بمواقفهما المؤيدة لهذا المحور الممانع، بالكثير من الدعم المباشر سياسيا وماليا لقضايا بعض الفصائل والأحزاب التابعة لهذا التيار، ويعتبر أمير قطر الشيخ "حمد بن خليفة آل ثاني" أول زعيم عربي يزور جنوب لبنان ويصرح بالفخر بالمقاومة الجنوبية للدفاع عن الوطن، ويشجب الحصار القائم على قطاع غزة، كما ساهمت دولة قطر في إعمار جنوب لبنان بإعادة بناء 12 ألف وحدة سكنية هدمها الكيان الصهيوني في عدوان جويلية/تموز عام 2006م.
وعن الجانب التركي فقد ساهم في تسيير أول قافلة جدية نحو كسر الحصار عن غزة، والتي إنتهت بمآسي كبيرة بتسعة قتله من المواطنين الأتراك، وتوتر كبير في العلاقات السياسية التركية الإسرائيلية.
هذه النظرة التحليلية، توحي بحجم التعقيدات في العلاقات السياسية ومدى تشابكها مع مختلف المكونات الإقليمية والدولية، التي حولت لبنان إلى أرض خصبة وساحة ملائمة لصراعات المصالح والإيديولوجيات بإمتياز. إعتبارا لدوافع ذاتية لكل طرف، على حساب الداخل اللبناني.
ويكمن الإنسداد القائم بين التيارين عقب إسقاط حكومة الأكثرية النيابية جراء توفر شرط الثلث زائد واحد، وبما أن عدد أعضاء الحكومة الوطنية المتفق عليها سابقا هو 30 وزيرا، فإن النصاب المطلوب 11 وزيرا على الأقل، وهذا ما تحقق فعلا بإنسحاب نواب المعارضة العشرة (10)+(1) وزير الدولة "عدنان السيد حسين" المحسوب على رئيس الجمهورية. وكانت التشكيلة موزعة على الشكل التالي 15 لقوى الأكثرية، 10 لقوى المعارضة، 5 لرئيس الجمهورية.
وتأتي إستقالات الوزراء على خلفية المحكمة الدولية التي أثارت جدلا سياسيا عنيفا بين التيارين يهدد بأمن وإستقرار لبنان مستقبلا، إذا لم يتم تدارك الوضع بتوافق سياسي داخلي نابع من تدخل أجنبي لقوى فاعلة لكلى التيارين، حماية لكيان الدولة من كل توتر ديني قد يعصف بالأخضر واليابس فيها.
فنواب المعارضة حمّلوا رئيس الحكومة المنهارة "سعد الحريري" مسؤولية الأزمة السياسية بسبب رفضه لتحديد موعد لعقد جلسة لمجلس الوزراء لفض مشكلة المحكمة نهائيا، على إعتبار قرارها الظني المتوقع الصدور ضد تيار أصيل في الساحة السياسية اللبنانية (حزب الله)، إنطلاقا من إعتبارات سياسية محضة بعيدة كل البعد عن القضاء النزيه والمحايد، وهذا ما يفرض على لبنان الإنسحاب منها بوقف التمويل من أموال الشعب وسحب القضاة اللبنانيين، وتركها للمجتمع الدولي ليتولى أمرها.
أما فريق الموالاة فقد أكد على ضرورة التمسك بالمحكمة الدولية ولا مجال للمساومة عليها لكشف الحقيقة التي يرغب فيها الشعب اللبناني برمته، إضافة إلى نزح السلاح من كل القوى السياسية وإختصاره على الدولة اللبنانية فقط، كما أكد رئيس الحكومة السابق ورئيس كتلة "تيار المستقبل" أن الأكثرية النيابية تصر على تسمية سعد الحريري رئيسا للحكومة المستقبيلية المزمع تشكيلها.
ونظرا للإستقطاب الحاد بين التيارين حول تسمية الحريري رئيسا للحكومة الجديدة، حيث يعتبره المعارضون خاضعا للضغوطات الخارجية في قضية المحكمة الدولية التي تنوي توريط "حزب الله" لأهداف سياسية ضد المقاومة وتخدم المصالح الأمريكية والإسرائيلية، وهذا ما جعلهم يرفضون التعامل معه كرئيس للحكومة.
ولدى الطرف المقابل "الموالاة" قناعة تامة بوجود قرار سوري لعزل الحريري من رئاسة الحكومة بسبب طرحه لمشاكل جوهرية في صلب العلاقة بين الدولتين السورية واللبنانية، مثل ترسيم الحدود والسجناء اللبنانيين في سوريا التي لم تقبل هذه المطالب. وهذا ما جعلهم يسرّون على تسميته رئيسا للحكومة.
ونتيجة لهذا الإنسداد السياسي جاء الدعم الخارجي من السعودية وسوريا لتوفير حل سياسي بين الطرفين وفق مبادرة تحفظ لبنان، وتحقق معادلة اللاغالب واللامغلوب لفائدة الطرفين على حد سواء، ولتجنيب البلاد فتنة طائفية كبيرة، للخروج من الصراعات الداخلية بينهم والإهتمام بشؤون البناء والتشييد التي تهم المواطن بالدرجة الأولى.
وبعد فشل مبادرة "س-س" وإعلان السعودية رفع يدها من الساحة اللبنانية عقب ذهاب الحريري للولايات المتحدة الأمريكية للقاء رئيسها السيد "باراك أوباما"، دخلت كل من قطر وتركيا على الخط السياسي اللبناني لمحاولة المساهمة في إيجاد حل سياسي، إنطلاقا من أرضية المبادرة السابقة "س-س"، لتجنيب البلاد أزمة سياسية حادة تنذر بفقدان الأمن والسلم الداخلي للبلاد.
كل المبادرات السابقة باءت بالفشل نتيجة تمسك كل تيار بخياراته السياسية، لكن الحسم هذه المرة جاء من "جبهة النضال الوطني" التي عوضت "اللقاء الديمقراطي" بعد سقوطه في أول إمتحان سياسي بحجم خيارات إستراتيجية تحدث تغييرات جذرية في المكون السياسي اللبناني. فقد إنقسم عناصر اللقاء 12 نائبا عند إستحقاق تكليف رئيس حكومة جديد، إلى تيارين مختلفين في القرار السياسي، أحدهما يتكون من 7 نواب برئاسة النائب "وليد جنبلاط" ويسمي رئيس الحكومة السابق "نجيب ميقاتي"، بينما الفريق الثاني 5 نواب صوتوا لرئيس حكومة تصريف الأعمال النائب "سعد الحريري".
وبذلك يكون قد إنتهى فصل من الجدال السياسي الحاد جدا بين تيارين مختلين في الرؤى، لكن لحد الآن تحت السيطرة وضبط النفس، وهذا مؤشر إيجابي على رقي الطبقة السياسية في لبنان، لكن الرهان الآن الذي يفرض نفسه هو مدى تعاون جميع الأطراف مع رئيس الحكومة الجديد الذي تواجهه تحديات كبيرة جدا للنجاح في مهامه، أم سيواجه بعقبات كأداء تعيق مستقبل لبنان السياسي برمته، وتجعله أسيرا للحزبية الضيقة على حساب المصلحة العامة للوطن؟.


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق