بقلم : مصباحي رضا
الديمقراطية بصفة عامة، هي ممارسة سياسية تهدف بالنهاية لتحقيق الأمن والإستقرار على مختلف الأصعدة السياسية، الأمنية، الإقتصادية والإجتماعية....والتي بدورها تجلب التنمية المستدامة والرفاهية للمجتمع الديمقراطي المشارك في صنع القرار بكل تلويناته وتياراته السياسية المختلفة، كأفضل ضمان وحماية من كل النزاعات والتوترات الداخلية التي تعسف بالسلم والأمن القومي للدول.
وبالنظر للنموذج التركي الماثل حاليا، حيث أستطاع من خلاله مجموعة من السياسيين الشباب تحويل مسار الدولة بكل هدوء ورزانة، من مجرد صراعات داخلية في المجال السياسي والقانوني بين تيارين متضادين أحداهما علماني يعتبر كواجهة سياسية للعسكريين الذين وصلوا للحكم عن طريق الإنقلاب الثالث والأخير 12أيلول/سبتمبر 1980م. والآخر يعتبر حزب مدني ذو توجه إسلامي مدعوم من طرف قطاع عريض من الشعب بما فيهم الأقلية المسحيين الذين رفضوا كل الأحزاب الأخرى بتوجهاتها القومية والعلمانية. ويعتقد كل هؤلائي أن الحزب يسعى بكل طاقاته لتحقيق الديمقراطية الحقيقة البعيدة عن هيمنة العسكر على الحياة السياسية في تركيا، والتي أدت إلى تعطيل مسيرة التنمية في شتى النواحي السياسية، الإقتصادية والإجتماعية... وجعلتها في مؤخرة الدول الأوربية لحوالي عقدين من الزمن (1980 – 2002).
وبعد وصول حزب "العدالة والتنمية" للحكم عبر الإنتخابات البرلمانية لسنة 2002م، عمل على تحويل البلاد إلى مشروع كبير للإنجازات، وجعلها ورشة للبناء والتشييد في كل المجالات المتاحة للتطوير، وهذا ما مكن للحزب الحاكم بزعامة رئيس الوزراء "رجب طيب أردوغان" من تبوأ حظوة ومكانة رفيعة أدت إلى تأييد شرائح واسعة من المجتمع في أغلب الإستحقاقات السياسية السابقة (2002 – 2007).
إن ثمار الديمقراطية التي لمسها الشعب التركي عن قرب، فتحت الشهية واسعا للحزب الحاكم الذي أصبح يرنوا لها بكل الوسائل المتاحة والممكنة لديه، وذلك بسبب المنافع الإقتصادية والسياسية والإجتماعية...التي حققها، وأعتبرها مكاسب لا يمكن التفريط بها أو التخلي عنها، وإنما مضاعفة الجهود نحو الأمام لتحقيق ما هو أفضل بتسخير كل الطاقات الديمقراطية الممكنة في المجتمع من أجل تحقيق التغيير المنشود الذي يؤدي إلى عملية الإقلاع نحو الرقي والإزدهار وتحقيق التنمية المستدامة. وأكبر شاهد على التجسيد الواقعي لهذه النهضة الديمقراطية الشاملة، التغييرات الهامة جدا في شتى المجالات المختلفة.
المحور القانوني
شهدت المنظومة القانونية تعديلات جوهرية عملت على الإنتقال من هيمنة القضاء العسكري بصلاحياته الموسعة إلى تكريس مبدأ إستقلال القضاء المدني بجناحيه المحكمة الدستورية ومجلس القضاء الأعلى الذي يعنى بتعيين القضاة، وتجسد ذلك في نجاح الإستفتاء الأخير بتاريخ 12سبتمبر2010م وبنسبة مرتفعة تقدر بـ 58% لتعديل بعض مواد الدستور لإعادة النظر في 26 مادة من إعداد الإنقلابيين، لإنهاء وصايتهم وهيمنة العلمانيين على الحياة السياسية في تركيا، المرتكزة على صلاحيات موسعة للقضاء العسكري، وحماية قانونية وفقا لمواد الدستور خاصة المادة رقم 15 التي تمنح قادة الإنقلاب حصانة أبدية ضد المحاكمة والمسائلة القانونية.
المحور السياسي
تجسدت إرادة الحزب الحاكم "العدالة والتنمية" منذ وصوله للسلطة بجملة من القرارات والممارسات الميدانية التي تهدف للتغيير وتحسين الوضع السياسي الداخلي، بفتح المجال واسعا نحو نقلة نوعية تطلق العنان لإنفتاح كافة طاقات المجتمع للمساهمة والمشاركة الفعالة في تغيير مختلف مناح الحياة اليومية، ولتحقيق مزيد من الحرية، العدالـة، سيادة القانون، حقوق الإنسان، محاربة الفساد والتوزيع العادل للثروة...، في كنف الحياة السياسية العادية والطبيعية التي تتيح الفرص المتساوية لكل التيارات السياسية للمنافسة الديمقراطية بينها.
فقد صرح رئيس الوزراء في إحدى خطبه للبرلمان بأن المعارضة في تضائل ولا يجب أن تكون كذلك، لأن ضعفها ينسحب لضعف أداء الحكومة. كما إعتذر رئيس الجمهورية "عبد الله قول" من مواطن يدعى "أحمد أرتاتش" على موقعه الإلكتروني (twitter) بسبب إزعاجه عند مرور موكبه بأحد الطرقات. وكل هذه الممارسات تعكس الروح السياسية الإيجابية التي يتمتع بها قادة الدولة ويعملون على تكريسها لدى مختلف فئات المجتمع.
أما على مستوى السياسة الخارجية فقد سجلت تركيا إنفتاحا كبيرا على محيطها الإقليمي والعالم الخارجي بصفة عامة. تمثل في ربط علاقات متينة مع مختلف الدول العربية، الإسلامية، الأوربية، الأمريكية، الآسيوية والأفريقية. وقد تنام هذا الدور الجاد والفعال على المستوى الدولي إلى درجة التوسط في ملف إيران النووي الذي يعتبر معقدا جدا على مستوى السياسية الدولية، غير أن الأتراك وجدوا مجالا للمساهمة في إيجاد الحل بالتعاون مع البرازيليين عن طريق ما سمي بـ "إعلان طهران" بتاريخ 17مايو/ماي2010م، والذي يقضي بتبادل تخصيب اليورانيوم على الأراضي التركية (نقل 1200 كلج من اليورانيوم الإيراني ضعيف التخصيب ومبادلته مع الدول الغربية بكمية من الوقود النووي المخصب اللازم لتوليد الطاقة)، غير أن التجاهل المتعمد كان مصير هذا المقترح، بسبب قوى سياسية دولية فاعلة في هذا الملف، ولا ترغب في حل المشكلة عبر قنوات تركيا، وإنما إبقاءها على مستوى مجلس الأمن والوكالة الدولية للطاقة الذرية، لأغراض تخدم مصالحها القومية.
أما بالنسبة للتحدي الكبير للحزب، فقد قامت الحكومة بقطع أشواط معتبرة في إعادة التحريك الجاد لملف المفاوضات مع الإتحاد الأوربي، بالإتفاق على إنطلاق المفاوضات الرسمية للإنظمام بتاريخ 03/10/2005م، وبشروط أوربية واجبة القبول والتنفيذ.
ـ أن تكون المفاوضات "مفتوحة" أي تحتمل القبول أو الرفض في نهايتها.
ـ تنفيذ جملة كبيرة من الإصلاحات الجذرية التي تعمل على تغيير شكل تركيا بالكامل، تبدأ من تعديل الدستور بما يفسح المجال نحو تغير مدني يتيح المزيد من حقوق الإنسان، الحريات والديمقراطية. ثم ينسحب على المجالات المختلفة القانونية، الإقتصادية، الإجتماعية...وهذا ما يفرض تحدي كبير للحزب في الإستحقاقات الإنتخابية المقبلة على المستوى البرلماني لإحداث التغيير المطلوب من الأوربيين وفق "شروط كوبنهاقن" وتنفيذ وعد الإنظمام.
إن الرابط الإسلامي لم يغب عن السياسة التركية التي تدخلت وبقوة في ملف حصار غزة، بتسيير أول قافلة جدية "أسطول الحرية" نحو كسر الحصار سياسيا بتاريخ 31مايو/ماي2010م، وتقديم الدعم والمساعدة للشعب الفلسطيني المحاصر، وكان الثمن غاليا والتكلفة مرتفعة جدا بفقد تسعة مواطنين أتراك على متن السفينة "مرمرة الزرقاء". لكنهم لم يتراجعوا قيد أنملة عن مبادئهم ومطالبهم السياسية في رفع الحصار، بل واصلوا التحدي وبنفس السياسة إيمانا منهم بعدالة القضية التي يتعاملون معها.
المحور الإقتصادي
السياسات الإقتصادية الراشدة والحكيمة المنتهجة من طرف حكومة "التنمية والعدالة" عمدت على تحقيق العديد من المكاسب الهامة في غضون سنوات قليلة جدا، فعلى سبيل المثال إرتفع عدد المليارديرات مثلا من 6 قبل 2002 إلى 26 في سنة 2006م، وهذا ما بعث برسائل ثقة وإطمئنان لكل المتعاملين الإقتصاديين في العالم بأن مناخ الإستثمار جيد في تركيا. هذه الديناميكية إنعكست بالإيجاب على الداخل التركي بإخراج البلاد من الأزمة الخانقة سنة 2001م، والإنتقال بها في فترة وجيزة للغاية إلى مستويات مقبولة من التقدم والإزدهار الإقتصادي اللافت للإنتباه، مثلما ذكر في تقرير منظمة التعاون الإقتصادي والتنمية في أوربا لسنة 2007م معبرا على أن التعافي الذي شهدته تركيا كان (مذهلا) بسبب المؤشرات الإيجابية للغاية على مستوى الإقتصاد بصفة عامة، وتواصلت النجاحات والنتائج الإيجابية طيلة السنوات اللاحقة وبوتيرة متصاعدة حيث أشار تقرير توقعات الإستثمار العالمية (2009-2011) الصادر عن منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأنكتاد) بأن تركيا ضمن أفضل ثلاثين موقعا عالميا لجلب الإستثمار الأجنبي المباشر والتي قاربت 200 مليار دولار في سنة 2010م ، التي كانت حافلة بالإنجازات الإيجابية المتمثلة في إحتلال الإقتصاد التركي للمرتبة 16 على المستوى العالمي، كما أن توقعات النمو تشير لتحقيق نسبة تقدر بـ 6.8% ما يجعلها في المرتبة الأولى أوربيا والثالثة دوليا بعد الصين والهند، وهذا مؤشر كبير يدل على مدى تعافي الإقتصاد التركي في ظل الأزمة العالمية الحالية. مما جعل كل المؤسسات المالية الدولية تمتدحهم نظير آدائهم الإقتصادي المتميز.
إن التجربة التركية رغم حداثة عهدها "ثمانية سنوات من الديمقراطية" كانت ناجحة بكل المقاييس في تبني الفعل السياسي الديمقراطي كمنهج أصيل نحو ملامسة التغيير النابع من الإصلاحات الجوهرية والهامة على المستوى القانوني، الدستوري والإقتصادي...قادة البلاد من هيمنة العلمانيين والنظام العسكري على الحياة السياسية، إلى بلد حداثي مغاير يتمتع بالديمقراطية في ظل الحريات الجماعية والفردية، حقوق الإنسان، حقوق المرأة و حقوق العمال في إنشاء النقابات. وقوة إقتصادية تعتبر الأولى أوربيا في معدل النمو، وهذا ما أدى إلى تقاربها أكثر نحو الأوربيين، وأهلها للعب دور إقليمي ودولي أكبر يناسب حجمها وموقعها الإستراتيجي.


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق