حوار DIALOGUE
فضاء حضاري وفكري للتواصل، النقاش والحوار في مختلف القضايا السياسية والإقتصادية والإجتماعية...لتغذية رغباتي الشخصية والإطلاع على تجارب الآخرين خدمة للصالح العام، إنطلاقا من شرح وتبسيط أهم القضايا الدولية المختلفة، والمساهمة في نشر هذه الثقافة على مستوى المواطن البسيط والعادي، المنخرط في الشبكة المعلوماتية، لمساعدته على تسهيل الفهم بعيدا عن كل التعقيدات النظرية والأطروحات الاكاديمية.
الجمعة، 10 مارس 2017
الجمعة، 22 أبريل 2011
لبنان : إستحقاق الإستقرار الداخلي رهن التوافق الخارجي.
بقلم : مصباحي رضا.
الإستقرار السياسي والإجتماعي، مطلب ضروري جدا للنظم السياسية الحاكمة من أجل المضي قدما ببرامج الحكومات نحو تحقيق التنمية الشاملة، بتوفير مختلف متطلبات الشعوب من خدمات متعددة إقتصادية، إدارية، تربوية، أمنية وصحية...، وبجودة عالية من حيث النوعية، فتتحقق الفائدة المتبادلة والتي تخدم الطرفين الحاكم والمحكوم.
ولتحقيق هذا الإستقرار المنشود من طرف الجميع، يجب أن تتوفر عدة عناصر ضرورية أهمها الحكومة القوية المشكلة من الأغلبية البرلمانية وبتوافق مع بقية القوى السياسية المشاركة في العملية السياسية والممثلة في البرلمان. تستطيع تحمل المسؤولية إنطلاقا من قراءة صحيحة للساحة السياسية، ثم التحلي بالحكمة وأخذ زمام المبادرة ببرامج وخطط حقيقية موجهة للتوزيع العادل للثروة وعلى مختلف مناطق الدولة بالتساوي، كأفضل ضمان لتحقيق التنمية الشاملة.
وإذا أسقطنا هذا الفكر السياسي على الحالة اللبنانية التي نشاهدها اليوم، نرى بأن الوضع الداخلي في تأزم دائم، جراء هذا الإصطفاف السياسي المقيت والقابل للتحول إلى ديني (سني/ شيعي) بما يؤجج روح الطائفية التي لا تخدم البلد على الإطلاق، وتعطل مسيرة التنمية فيها بسبب تمسك كل طرف بخياراته السياسية التي يؤمن بها. دون فسح المجال لمساحة من التوافق والتلاقي من أجل تغليب المصلحة العامة للبلاد على حساب المصلحة السياسية الضيقة لكل طرف.
هذه الوضعية الخطيرة التي آلت إليها لبنان، والتي تهدد بفرط عقد الأمن والسلم الإجتماعي نتيجة الصراع الدائر بين تيارين مختلفين في التوجه السياسي، إنطلاقا من تبنيهما لمشروعين إقليميين متناقضين في الشكل والمضمون.
إحداهما يدعى "تيار الموالاة" 14 آذار، ويمثل كبرى الأحزاب والحركات السياسية التي ثارت على الوجود السوري في لبنان بعد إغتيال رئيس الوزراء السابق الشهيد رفيق الحريري أهمها "تيار المستقبل – القوات اللبنانية – حزب الكتائب..."، ومن أبرز قادته رئيس الوزراء في حكومة تصريف الأعمال سعد الحريري، سمير جعجع، الرئيس السابق إيميل الجميّل.
تلقى هذا التحالف الدعم من بعض الدول أهمها فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية، وفي الجوار العربي دول "محور الإعتدال" بزعامة السعودية ومصر، ما جعل التحالف يتبنى مشروعهم السياسي في أهدافه العامة، والقاضي بنشر مناخ سياسي في المنطقة العربية يتبنى السلام فقط كخيار إستراتيجي للتهدئة التي تجلب الإستقرار، ومن وراءها يفسح المجال واسعا للحكومات الساعية لرفاهية المواطن وتحقيق التنمية الشاملة بعيدا عن كل الصراعات بمختلف أنواعها...!!!.
يدّعي أنصار هذا التوجه أنه على العالم العربي الرقي بفكره نحو مرحلة متقدمة من البارغماتية السياسية التي تؤمن بالمصالح كمبدأ أساسي في تحقيق الأهداف، والإبتعاد عن كل ديماغوجية ناشئة عن شعارات الكرامة، العزة، الشرف...، وكلها مصطلحات تصنف في الجانب العاطفي الذي لا يقدم الحلول السياسية الفعالة حسب رأييهم.
والآخر يدعى "تيار الممانعة" 8 آذار، ويمثل تحالف سياسي إلتأم عقب خروج سوريا من لبنان لشكرها على كل ما قدمته للمقاومة التي حفظت لبنان، ويتكون من بعض القوى والتيارات السياسية أهمها "حزب الله - حركة أمل – تيار المرة – التيار الوطني الحر..."، ومن أبرز قادته حسن نصر الله، ميشال عون ونبيه بري. كما ألتحق بالركب رئيس اللقاء الديمقراطي النائب الدرزي وليد جمبلاط بعد العديد من الصراعات والنزاعات الطويلة جراء العداء السياسي لهذا التيار، إلا أنه إرتدّ على مواقفه السابقة وأعاد الإصطفاف بمزيد من التقارب مع محور الممانعة.
تلقى هذا التحالف الدعم من بعض دول المنطقة، أهمها سوريا وإيران اللتان ينتهجان مشروع سياسي إقليمي داعم للمقاومة بكل أشكالها السياسية والعسكرية، لمجابهة الهيمنة الأمريكية على مقدرات المنطقة العربية لصالح الكيان الصهيوني، وبما يخدم المصلحة القومية الأمريكية، بالتعاون مع بعض الأقطار العربية للأسف الشديد...!!!.
كما أنخرط في هذا التوجه كل من دولتي قطر وتركيا بمواقفهما المؤيدة لهذا المحور الممانع، بالكثير من الدعم المباشر سياسيا وماليا لقضايا بعض الفصائل والأحزاب التابعة لهذا التيار، ويعتبر أمير قطر الشيخ "حمد بن خليفة آل ثاني" أول زعيم عربي يزور جنوب لبنان ويصرح بالفخر بالمقاومة الجنوبية للدفاع عن الوطن، ويشجب الحصار القائم على قطاع غزة، كما ساهمت دولة قطر في إعمار جنوب لبنان بإعادة بناء 12 ألف وحدة سكنية هدمها الكيان الصهيوني في عدوان جويلية/تموز عام 2006م.
وعن الجانب التركي فقد ساهم في تسيير أول قافلة جدية نحو كسر الحصار عن غزة، والتي إنتهت بمآسي كبيرة بتسعة قتله من المواطنين الأتراك، وتوتر كبير في العلاقات السياسية التركية الإسرائيلية.
هذه النظرة التحليلية، توحي بحجم التعقيدات في العلاقات السياسية ومدى تشابكها مع مختلف المكونات الإقليمية والدولية، التي حولت لبنان إلى أرض خصبة وساحة ملائمة لصراعات المصالح والإيديولوجيات بإمتياز. إعتبارا لدوافع ذاتية لكل طرف، على حساب الداخل اللبناني.
ويكمن الإنسداد القائم بين التيارين عقب إسقاط حكومة الأكثرية النيابية جراء توفر شرط الثلث زائد واحد، وبما أن عدد أعضاء الحكومة الوطنية المتفق عليها سابقا هو 30 وزيرا، فإن النصاب المطلوب 11 وزيرا على الأقل، وهذا ما تحقق فعلا بإنسحاب نواب المعارضة العشرة (10)+(1) وزير الدولة "عدنان السيد حسين" المحسوب على رئيس الجمهورية. وكانت التشكيلة موزعة على الشكل التالي 15 لقوى الأكثرية، 10 لقوى المعارضة، 5 لرئيس الجمهورية.
وتأتي إستقالات الوزراء على خلفية المحكمة الدولية التي أثارت جدلا سياسيا عنيفا بين التيارين يهدد بأمن وإستقرار لبنان مستقبلا، إذا لم يتم تدارك الوضع بتوافق سياسي داخلي نابع من تدخل أجنبي لقوى فاعلة لكلى التيارين، حماية لكيان الدولة من كل توتر ديني قد يعصف بالأخضر واليابس فيها.
فنواب المعارضة حمّلوا رئيس الحكومة المنهارة "سعد الحريري" مسؤولية الأزمة السياسية بسبب رفضه لتحديد موعد لعقد جلسة لمجلس الوزراء لفض مشكلة المحكمة نهائيا، على إعتبار قرارها الظني المتوقع الصدور ضد تيار أصيل في الساحة السياسية اللبنانية (حزب الله)، إنطلاقا من إعتبارات سياسية محضة بعيدة كل البعد عن القضاء النزيه والمحايد، وهذا ما يفرض على لبنان الإنسحاب منها بوقف التمويل من أموال الشعب وسحب القضاة اللبنانيين، وتركها للمجتمع الدولي ليتولى أمرها.
أما فريق الموالاة فقد أكد على ضرورة التمسك بالمحكمة الدولية ولا مجال للمساومة عليها لكشف الحقيقة التي يرغب فيها الشعب اللبناني برمته، إضافة إلى نزح السلاح من كل القوى السياسية وإختصاره على الدولة اللبنانية فقط، كما أكد رئيس الحكومة السابق ورئيس كتلة "تيار المستقبل" أن الأكثرية النيابية تصر على تسمية سعد الحريري رئيسا للحكومة المستقبيلية المزمع تشكيلها.
ونظرا للإستقطاب الحاد بين التيارين حول تسمية الحريري رئيسا للحكومة الجديدة، حيث يعتبره المعارضون خاضعا للضغوطات الخارجية في قضية المحكمة الدولية التي تنوي توريط "حزب الله" لأهداف سياسية ضد المقاومة وتخدم المصالح الأمريكية والإسرائيلية، وهذا ما جعلهم يرفضون التعامل معه كرئيس للحكومة.
ولدى الطرف المقابل "الموالاة" قناعة تامة بوجود قرار سوري لعزل الحريري من رئاسة الحكومة بسبب طرحه لمشاكل جوهرية في صلب العلاقة بين الدولتين السورية واللبنانية، مثل ترسيم الحدود والسجناء اللبنانيين في سوريا التي لم تقبل هذه المطالب. وهذا ما جعلهم يسرّون على تسميته رئيسا للحكومة.
ونتيجة لهذا الإنسداد السياسي جاء الدعم الخارجي من السعودية وسوريا لتوفير حل سياسي بين الطرفين وفق مبادرة تحفظ لبنان، وتحقق معادلة اللاغالب واللامغلوب لفائدة الطرفين على حد سواء، ولتجنيب البلاد فتنة طائفية كبيرة، للخروج من الصراعات الداخلية بينهم والإهتمام بشؤون البناء والتشييد التي تهم المواطن بالدرجة الأولى.
وبعد فشل مبادرة "س-س" وإعلان السعودية رفع يدها من الساحة اللبنانية عقب ذهاب الحريري للولايات المتحدة الأمريكية للقاء رئيسها السيد "باراك أوباما"، دخلت كل من قطر وتركيا على الخط السياسي اللبناني لمحاولة المساهمة في إيجاد حل سياسي، إنطلاقا من أرضية المبادرة السابقة "س-س"، لتجنيب البلاد أزمة سياسية حادة تنذر بفقدان الأمن والسلم الداخلي للبلاد.
كل المبادرات السابقة باءت بالفشل نتيجة تمسك كل تيار بخياراته السياسية، لكن الحسم هذه المرة جاء من "جبهة النضال الوطني" التي عوضت "اللقاء الديمقراطي" بعد سقوطه في أول إمتحان سياسي بحجم خيارات إستراتيجية تحدث تغييرات جذرية في المكون السياسي اللبناني. فقد إنقسم عناصر اللقاء 12 نائبا عند إستحقاق تكليف رئيس حكومة جديد، إلى تيارين مختلفين في القرار السياسي، أحدهما يتكون من 7 نواب برئاسة النائب "وليد جنبلاط" ويسمي رئيس الحكومة السابق "نجيب ميقاتي"، بينما الفريق الثاني 5 نواب صوتوا لرئيس حكومة تصريف الأعمال النائب "سعد الحريري".
وبذلك يكون قد إنتهى فصل من الجدال السياسي الحاد جدا بين تيارين مختلين في الرؤى، لكن لحد الآن تحت السيطرة وضبط النفس، وهذا مؤشر إيجابي على رقي الطبقة السياسية في لبنان، لكن الرهان الآن الذي يفرض نفسه هو مدى تعاون جميع الأطراف مع رئيس الحكومة الجديد الذي تواجهه تحديات كبيرة جدا للنجاح في مهامه، أم سيواجه بعقبات كأداء تعيق مستقبل لبنان السياسي برمته، وتجعله أسيرا للحزبية الضيقة على حساب المصلحة العامة للوطن؟.
الأحد، 16 يناير 2011
ثورة "الياسمين".
تونس: ثورة حرية سبقت القلم. بقلم: مصباحي رضا
فعلا إنها ثورة شعبية نحو الحرية بأتم معنى الكلمة، بالرغم من كل جهود الإجهاض التي مارستها العديد من المواقع الإعلامية والسياسية المرتبطة بالحكومات، والتي لا ترغب في إكتساب الشعوب لزمام أمورها، كما تتجاهل تضحيات المواطنين البسطاء، النقابيون، الحقوقيون، المحامون، الأطباء، الفنانون والمثقفون،....وكل أطياف المجتمع التونسي التواق للإصلاح والتغيير، دون أن ننسى الشباب وما أدراك ما الشباب، الذي كان عنوان الثورة ووقود النار بإمتياز، بالكثير من الدماء والأرواح التي أزهقت في ربيع العمر قربانا للحرية.
المفارقة العجيبة..!! هي أن هذا الشباب المنتفض هو من جيل الرئيس المخلوع "زين العابدين بن علي"، ولدوا في ظل حكمه، وتكوينهم الفكري والحضاري نتاج سياسات نظامه التعليمية والإجتماعية. وهذا مؤشر ضعف للحزب الحاكم وسياساته في قيادة تونس نحو الديمقراطية والحداثة.
لقد هممت بكتابة مقال في الأيام الأولى للأحداث، لكن سبق السيف النبأ، لأن توالي الأخبار وتسارع الأحداث كان أسرع بكثير من جرة القلم، وبسالة المواطن العادي والبسيط الذي فاق بتطلعاته لإسترداد الحرية والكرامة كل السياسيين، المثقفين والمنظرين، وعمل على صنع غده بيده. ما جعلها أول ثورة متميزة في العالم العربي نحو الحرية، تستحق منا التحليل والنقاش لأخذ الدروس والعبر المستفادة لباقي الدول العربية.
ثورة سلمية
أهم صفة بارزة لهذه الثورة طابعها السلمي، الذي لم نشهد مثله من قبل في العالم العربي المليء بالإنقلابات السياسية والعسكرية وإفرازاتها المهيمنة على الطاقات الديمقراطية في المجتمعات، وهذا الإختلاف الجوهري أهلها لتسمى بثورة "الياسمين" كناية على التغيير الحضاري بكل السبل السلمية المتاحة للشعب من إضرابات، تظاهرات، هتافات ورفع اللافتات، دون إحداث أي أعمال عنف، شغب، حرق أو تكسير. وكل ما سجل من أعمال تخريب طيلة الأحداث نسب لأذيال النظام السابق من الأمن الرئاسي الفاسدين، بغرض تشويه الثورة لدى السكان، وبث الرعب والفزع في نفوسهم لإفساد مغزاها برفض التغيير.
ورغم أن التكوين النفسي والإجتماعي للإنسان التونسي تفيد بأنه سلمي بطبعه، ولا يرغب في التوترات والنعرات والشغب، إلا أن رغبته المشرئبة للحرية كانت أكبر من كل الضغوطات والمحن، فواجه الرصاص بصدر رحب ثمنا للإصلاح والتغيير، وكان في مستوى التحديات التي فرضتها الثورة وبها نال الحرية وأصبح مثالا ونموذجا يحتذى به لكل الشعوب العربية.
صورية المؤسسات
كل المشاهدين من الخارج يعتقدون بأن النظام القابع على نفوس التونسيين منذ من أكثر من خمسة عقود من الزمن، يمسك بزمام الأمور ويبسط سيطرته على مختلف مناح الحياة اليومية للمواطنين، لكن ثورة "الياسمين" كشفت زيف النظام، وأوضحت جليا مدى صورية المؤسسات التي كان يعتمد عليها الحزب الحاكم "التجمع الدستوري الديمقراطي"، وإلا كيف نفسر عدم خروج الشعب التونسي المنتمي للحزب وهم بالملايين على الورق، للذود عن مكاسبهم المشروعة من رئيسهم وحزبهم ونظامهم المحبوب لهم كما هو مسوق قبل عهد الحرية. ما دلّ على أنها كانت مجرد بروباقاندا إعلامية فارغة المحتوى، وكل الهيئات والمنظمات المدنية كانت صورية لا تعتمد على المشاركة الحقيقة والفعالة لمن لهم الكفاءة والمقدرة في تقلد المناصب والتسيير، والولاء للفرد كان هو عنوان المرحلة وشعارها.
وأكبر دليل على ذلك الفئة التي خرجت اليوم للدفاع عن الحزب ومكتسباته للرجوع للعهد السابق، من خلال المحاولات اليائسة لإخافة الناس بنشر الرعب في نفوسهم من مضار التغيير، فأستعملوا شتى أنواع الفساد من نهب، سلب، سرقة، عبث وحرق للممتلكات الخاصة والعامة للشعب. وهذا ينبئك عن نوعية المؤسسات القائمة والمنتمين لها، فهم ليسوا أناس عاديين إنما عصابات مافيوية منظمة بشكل جيد، تقوم بدورها التخريبي كلما طلب منها ذلك. والعالم العربي مليء بمثل هذه المؤسسات المحببة لنفوس الحكام، لكن الوضع أكيد أنه سوف يتغير بعد هذه الثورة المباركة.
دور الجيش
من ضمن المكاسب التي راهن عليها الشعب التونسي في ثورته كان الجيش الشعبي الوطني، وهذا الأخير لم يخذلهم وأحسن التصرف معهم، بالوقوف على نفس المسافة بين الطرفين الشعب والرئيس، لفسح المجال واسعا للحلول السياسية الممكنة، ولتجنيب البلاد مآسي الدمار والخراب. وهذا مؤشر واضح في عدم رغبة الجيش خوض غمار السياسة وترك المجال للمدنيين.
موقف إيجابي سجل في تاريخ الجيش التونسي الذي لم يطلق ولا رصاصة واحدة في وجه الشعب، بل صرحت بعض المصادر من المعارضة بأن الرئيس أمر بإقالة أحد قادة هيئة أركان سلاح البر الجنرال "رشيد عمار" وإستبداله بقائد الإستخبارات العسكرية الجنرال "أحمد شبير" لعدم إعطائه الأوامر بقمع إنتفاضة الشعب.
كما ساهم بشكل مباشر وفعال في الحسم النهائي للأزمة حسب بعض المصادر الإعلامية، بالتدخل لدى رئيس الجمهورية المخلوع وفرض التسوية عليه، فيترك بموجبها زمام الحكم للشعب والقوى الديمقراطية فيه ويخلى سبيله للسفر خارج الوطن، وكانت صفقة ناجحة من جهة جنبت البلاد المزيد من التعنت للرئيس وزهق الأرواح البريئة على خطى الحرية، وخاسرة من جهة أخرى حيث كان لزاما على الشعب محاكمة هذا الطاغية المتجبر، الناشر للفساد والناهب لأموال الشعب، ولكي يكون عبرة لكل حاكم عربي طاغية.
إنها صورة مشرفة لجيش وطني إنحاز للمصلحة العليا للبلاد على حساب المصلحة الشخصية للرئيس، وهذه بادرة حسنة يشكر عليها الجيش التونسي، وسوف تكون سنّة حميدة تحتذي بها كل الجيوش العربية عند الأزمات.
دور الصحافة الإلكترونية
من المستجدات الهامة والمكتشفة في ثورة "الياسمين" الحديثة، دخول نوع جديد من أدوات الصراع المؤثرة بشكل كبير وحاسم على خط النضال من أجل الحرية. وهي سلاح المستقبل "الصحافة الإلكترونية" حيث لعبت دورا كبيرا في نقل الأحداث والحقائق عن ما يجري بالداخل التونسي ويتم التعتيم عليه بدرجة كبيرة من التكتم، لمصلحة النظام وما يقوم به من أعمال وحشية لقمع الثورة منذ بدايتها ودون علم أحد كما جرت العادة، لكن هذه المرة خابت آمالهم لأن كل ما يدور في الداخل من قتل وضرب يشاهد خارج نطاق الحدود التونسية في فضاء العالم الإفتراضي، الذي يمكّن لكل فرد أن يكون صحفيا دون الحاجة لأموال كبيرة لإنشاء قناة تلفزية، وما يلزمه إلا جهاز هاتف نقال لتصوير الأحداث بالصوت والصورة ثم نشرها للعالم عن طريق الفضاءات الإجتماعية للتواصل مثل (facebook – twitter – youTube ) فكانت هذه التقنية فعالة بدرجة كبيرة جدا لأنها أصبحت من أهم المصادر لتقديم المادة الإعلامية والإخبارية بالصوت والصورة للقنوات الفضائية التي بدورها تقوم بنشرها مع إضافة التحليل والنقاش مستعينين بالأساتذة والمختصين المعنيين بالمواضيع المنشورة.
لقد بات "للصحافة الإلكترونية" دور كبير تلعبه في المستقبل القريب نحو إجبار الجميع على نقل الحقيقة للمتلقي، لأنك مهما زيفت الحقائق فستجد الصورة مقلوبة على الأنترنيت وفي لحظة من الزمن. وهذا ما يبشر بإمكانية حدوث إنفتاح كبير نحو مصداقية الإعلام العمومي المرئي والمكتوب في العالم العربي، وإنتقاله من مجرد بوق لتلميع صورة الأنظمة إلى وسيلة فعالة متاحة لخدمة الشعب.
المواقف الدولية
يبدو أن العالم بأسره في حالة ذهول مما حصل في دولة تونس الشقيقة، وما جسد هذا المشهد بأكثر وضوح العالم العربي الذي لم يحرك ساكنا تجاه الثورة التونسية، فكانت ردود الفعل الرسمية باهته جدا على عكس الشارع العربي. فلم نشهد أي تعليق يذكر سوى بعض المواقف المحتشمة جدا، حيث غابت كل دول المغرب العربي عن التعليق إلا الزعيم الليبي الذي تهجم على التغيير الذي لم يعجبه من وجهة نظره، لكثرة الأموات من أجل رئيس جديد يخلف رئيس السابق.
دول المشرق والخليج صامته كذلك، ما عدى دولة قطر وعلى لسان مسؤول في وزارة الخارجية أن "بلاده تحترم إرادة الشعب التونسي"، أما عن المملكة العربية السعودية فقد أشار بيان للديوان الملكي بأنها "ترحب بكل إجراء يعود بالخير على الشعب التونسي الشقيق"، وبالنسبة لمصر فقد صدر بيان لوزارة للخارجية المصرية يعلن "مصر تؤكد إحترامها لخيارات الشعب في تونس الشقيقة"
تبنت الجامعة العربية وعلى لسان أمينها العام موقفا يتلخص في متابعة الأحداث بقلق كبير وإجراء الإتصالات مع كل المسؤولين، إضافة إلى طرح الأوضاع المستجدة على الساحة التونسية في القمة الإقتصادية المزمع عقدها في شرم الشيخ بمصر، كما أشار إلى أن موضوع تونس سيبحث في إجتماع وزراء الخارجية العرب، وسيكون لتونس ممثل في الإجتماعات السياسية التي تسبق القمة.
أما على المستوى الدولي فقد سجلت العديد من المواقف أهمها الأمم المتحدة وعلى لسان أمينها العام الذي أعرب عن القلق إزاء التطورات والأسف للخسائر في الأرواح، كما دعا لتطبيق الديمقراطية وإحترام حرية التعبير والتجمع.
وكان موقف الولايات المتحدة قد تبلور على شكل إشادة بشجاعة وكرامة الشعب التونسي، ودعا الرئيس لإجراء إنتخابات نزيهة وحرة، كما أدان إستخدام العنف ضد المواطنين المسالمين، وحث الجميع على إلتزام الهدوء وعدم اللجوء للعنف.
تجسد موقف الإتحاد الأوربي بالدعوة لتطبيق الديمقراطية وإلتزام الهدوء. وعلى نفس النهج سارت بعض الدول الأوربية مثل بريطانيا التي صرحت بأن الشعب التونسي يعيش لحظة تاريخية بسبب تعبيره عن تطلعاته، وألمانيا التي دعت للحوار والحل السلمي لتفادي التصعيد نحو العنف. أما عن فرنسا فقد كان موقفها متذبذبا في المرة الأولى كان مساندا للرئيس المخلوع الذي يعتبر حليفا لها في محاربة التيار الأصولي في تونس، بإعتبار أنها كانت تعوّل عليه في حسم الأمور لصالحه، لكن تسير الرياح بما لا تشتهي السفن، وهذا ما جعلها تركب الموجة وتغير موقفها لصالح الشعب التونسي علها تتدارك خطأها فأعربت عن أملها في تحقيق التهدئة وإنهاء العنف، وإتخاذ الحوار سبيلا لإنهاء الأزمة وتحقيق الديمقراطية، مما يؤكد بأن فرنسا لا تهمها الحريات والديمقراطية بقدر همها بتحقيق مصالحها. كما أنها رفضت قدوم حليفها بسبب عدم رغبتها في إثارة المشاكل والقلاقل من طرف الجالية التونسية الكبيرة المتواجدة على أراضيها.
طبيعة التغيير
أفضل ما في هذه الثورة المباركة أنها إنطلقت من الداخل التونسي وبأيادي شباب تونسي مخضبة بالدماء، حيث سقطت العديد من النظريات التي تؤمن بضرورة التغيير من الخارج كأفضل وسيلة، كما أصبح النموذج التونسي علامة مسجلة في الميدان السياسي بإمكانية الشعوب العربية كسر حاجز الخوف، والقيام بثورات ناجحة ضد الظلم، الطغيان الإستبداد، الفساد والجبروت كلما كان الشعب متسلحا بالإيمان بالذات، وتحلى بالإسرار الدائم على عدالة القضية التي تبناها، وحملها على عاتقه من أجل تحقيق حرية وكرامة الإنسان العربي.
الرهان الحقيقي اليوم والذي يواجه ثورة "الياسمين" كتحدي جدي في معترك تحقيق الأهداف التي قامت من أجلها، والدماء التي سالت للضحايا الذين بذلوا أنفسهم وأرواحهم رخيصة وذليلة في سبيل الحرية والكرامة، وحتى تكتمل نجاحاتها على أتم وجه، يجب التفطن لثلاثة أشياء مهمة للغاية وهي الحذر الشديد من أن يقفز الغرباء ويستولوا على نضالات ومكاسب الأوفياء، العمل على تحقيق الأمن وبأسرع وقت ممكن ليعود الوضع كما كان سابقا لكن في كنف الحرية والكرامة، ضرورة التحلي بالتوافق السياسي بين مختلف الأطياف السياسية المتنوعة، والذي يجلب الإستقرار بما يجعل الثورة في مستوى تطلعات الشعب التونسي.
وحينها يجدر بالحكومة الجديدة المنبثقة في ظل الديمقراطية، إنجاز نصب تذكاري وسط العاصمة التونسية أو في ولاية سيدي بوزيد، تخليدا لذكرى ثورة "الياسمين" وبأسماء كل الشهداء الذين قضوا في سبيل حرية الشعب التونسي، إبتداء من الشهيد "محمد البوعزيزي" إلى غاية آخر قطرة دم أريقت، وحتى يزوره كل عربي لم يستطع فعل أي شيء في بلده نحو تحقيق الحرية.
الاثنين، 10 يناير 2011
ثمار الديمقراطية.
بقلم : مصباحي رضا
الديمقراطية بصفة عامة، هي ممارسة سياسية تهدف بالنهاية لتحقيق الأمن والإستقرار على مختلف الأصعدة السياسية، الأمنية، الإقتصادية والإجتماعية....والتي بدورها تجلب التنمية المستدامة والرفاهية للمجتمع الديمقراطي المشارك في صنع القرار بكل تلويناته وتياراته السياسية المختلفة، كأفضل ضمان وحماية من كل النزاعات والتوترات الداخلية التي تعسف بالسلم والأمن القومي للدول.
وبالنظر للنموذج التركي الماثل حاليا، حيث أستطاع من خلاله مجموعة من السياسيين الشباب تحويل مسار الدولة بكل هدوء ورزانة، من مجرد صراعات داخلية في المجال السياسي والقانوني بين تيارين متضادين أحداهما علماني يعتبر كواجهة سياسية للعسكريين الذين وصلوا للحكم عن طريق الإنقلاب الثالث والأخير 12أيلول/سبتمبر 1980م. والآخر يعتبر حزب مدني ذو توجه إسلامي مدعوم من طرف قطاع عريض من الشعب بما فيهم الأقلية المسحيين الذين رفضوا كل الأحزاب الأخرى بتوجهاتها القومية والعلمانية. ويعتقد كل هؤلائي أن الحزب يسعى بكل طاقاته لتحقيق الديمقراطية الحقيقة البعيدة عن هيمنة العسكر على الحياة السياسية في تركيا، والتي أدت إلى تعطيل مسيرة التنمية في شتى النواحي السياسية، الإقتصادية والإجتماعية... وجعلتها في مؤخرة الدول الأوربية لحوالي عقدين من الزمن (1980 – 2002).
وبعد وصول حزب "العدالة والتنمية" للحكم عبر الإنتخابات البرلمانية لسنة 2002م، عمل على تحويل البلاد إلى مشروع كبير للإنجازات، وجعلها ورشة للبناء والتشييد في كل المجالات المتاحة للتطوير، وهذا ما مكن للحزب الحاكم بزعامة رئيس الوزراء "رجب طيب أردوغان" من تبوأ حظوة ومكانة رفيعة أدت إلى تأييد شرائح واسعة من المجتمع في أغلب الإستحقاقات السياسية السابقة (2002 – 2007).
إن ثمار الديمقراطية التي لمسها الشعب التركي عن قرب، فتحت الشهية واسعا للحزب الحاكم الذي أصبح يرنوا لها بكل الوسائل المتاحة والممكنة لديه، وذلك بسبب المنافع الإقتصادية والسياسية والإجتماعية...التي حققها، وأعتبرها مكاسب لا يمكن التفريط بها أو التخلي عنها، وإنما مضاعفة الجهود نحو الأمام لتحقيق ما هو أفضل بتسخير كل الطاقات الديمقراطية الممكنة في المجتمع من أجل تحقيق التغيير المنشود الذي يؤدي إلى عملية الإقلاع نحو الرقي والإزدهار وتحقيق التنمية المستدامة. وأكبر شاهد على التجسيد الواقعي لهذه النهضة الديمقراطية الشاملة، التغييرات الهامة جدا في شتى المجالات المختلفة.
المحور القانوني
شهدت المنظومة القانونية تعديلات جوهرية عملت على الإنتقال من هيمنة القضاء العسكري بصلاحياته الموسعة إلى تكريس مبدأ إستقلال القضاء المدني بجناحيه المحكمة الدستورية ومجلس القضاء الأعلى الذي يعنى بتعيين القضاة، وتجسد ذلك في نجاح الإستفتاء الأخير بتاريخ 12سبتمبر2010م وبنسبة مرتفعة تقدر بـ 58% لتعديل بعض مواد الدستور لإعادة النظر في 26 مادة من إعداد الإنقلابيين، لإنهاء وصايتهم وهيمنة العلمانيين على الحياة السياسية في تركيا، المرتكزة على صلاحيات موسعة للقضاء العسكري، وحماية قانونية وفقا لمواد الدستور خاصة المادة رقم 15 التي تمنح قادة الإنقلاب حصانة أبدية ضد المحاكمة والمسائلة القانونية.
المحور السياسي
تجسدت إرادة الحزب الحاكم "العدالة والتنمية" منذ وصوله للسلطة بجملة من القرارات والممارسات الميدانية التي تهدف للتغيير وتحسين الوضع السياسي الداخلي، بفتح المجال واسعا نحو نقلة نوعية تطلق العنان لإنفتاح كافة طاقات المجتمع للمساهمة والمشاركة الفعالة في تغيير مختلف مناح الحياة اليومية، ولتحقيق مزيد من الحرية، العدالـة، سيادة القانون، حقوق الإنسان، محاربة الفساد والتوزيع العادل للثروة...، في كنف الحياة السياسية العادية والطبيعية التي تتيح الفرص المتساوية لكل التيارات السياسية للمنافسة الديمقراطية بينها.
فقد صرح رئيس الوزراء في إحدى خطبه للبرلمان بأن المعارضة في تضائل ولا يجب أن تكون كذلك، لأن ضعفها ينسحب لضعف أداء الحكومة. كما إعتذر رئيس الجمهورية "عبد الله قول" من مواطن يدعى "أحمد أرتاتش" على موقعه الإلكتروني (twitter) بسبب إزعاجه عند مرور موكبه بأحد الطرقات. وكل هذه الممارسات تعكس الروح السياسية الإيجابية التي يتمتع بها قادة الدولة ويعملون على تكريسها لدى مختلف فئات المجتمع.
أما على مستوى السياسة الخارجية فقد سجلت تركيا إنفتاحا كبيرا على محيطها الإقليمي والعالم الخارجي بصفة عامة. تمثل في ربط علاقات متينة مع مختلف الدول العربية، الإسلامية، الأوربية، الأمريكية، الآسيوية والأفريقية. وقد تنام هذا الدور الجاد والفعال على المستوى الدولي إلى درجة التوسط في ملف إيران النووي الذي يعتبر معقدا جدا على مستوى السياسية الدولية، غير أن الأتراك وجدوا مجالا للمساهمة في إيجاد الحل بالتعاون مع البرازيليين عن طريق ما سمي بـ "إعلان طهران" بتاريخ 17مايو/ماي2010م، والذي يقضي بتبادل تخصيب اليورانيوم على الأراضي التركية (نقل 1200 كلج من اليورانيوم الإيراني ضعيف التخصيب ومبادلته مع الدول الغربية بكمية من الوقود النووي المخصب اللازم لتوليد الطاقة)، غير أن التجاهل المتعمد كان مصير هذا المقترح، بسبب قوى سياسية دولية فاعلة في هذا الملف، ولا ترغب في حل المشكلة عبر قنوات تركيا، وإنما إبقاءها على مستوى مجلس الأمن والوكالة الدولية للطاقة الذرية، لأغراض تخدم مصالحها القومية.
أما بالنسبة للتحدي الكبير للحزب، فقد قامت الحكومة بقطع أشواط معتبرة في إعادة التحريك الجاد لملف المفاوضات مع الإتحاد الأوربي، بالإتفاق على إنطلاق المفاوضات الرسمية للإنظمام بتاريخ 03/10/2005م، وبشروط أوربية واجبة القبول والتنفيذ.
ـ أن تكون المفاوضات "مفتوحة" أي تحتمل القبول أو الرفض في نهايتها.
ـ تنفيذ جملة كبيرة من الإصلاحات الجذرية التي تعمل على تغيير شكل تركيا بالكامل، تبدأ من تعديل الدستور بما يفسح المجال نحو تغير مدني يتيح المزيد من حقوق الإنسان، الحريات والديمقراطية. ثم ينسحب على المجالات المختلفة القانونية، الإقتصادية، الإجتماعية...وهذا ما يفرض تحدي كبير للحزب في الإستحقاقات الإنتخابية المقبلة على المستوى البرلماني لإحداث التغيير المطلوب من الأوربيين وفق "شروط كوبنهاقن" وتنفيذ وعد الإنظمام.
إن الرابط الإسلامي لم يغب عن السياسة التركية التي تدخلت وبقوة في ملف حصار غزة، بتسيير أول قافلة جدية "أسطول الحرية" نحو كسر الحصار سياسيا بتاريخ 31مايو/ماي2010م، وتقديم الدعم والمساعدة للشعب الفلسطيني المحاصر، وكان الثمن غاليا والتكلفة مرتفعة جدا بفقد تسعة مواطنين أتراك على متن السفينة "مرمرة الزرقاء". لكنهم لم يتراجعوا قيد أنملة عن مبادئهم ومطالبهم السياسية في رفع الحصار، بل واصلوا التحدي وبنفس السياسة إيمانا منهم بعدالة القضية التي يتعاملون معها.
المحور الإقتصادي
السياسات الإقتصادية الراشدة والحكيمة المنتهجة من طرف حكومة "التنمية والعدالة" عمدت على تحقيق العديد من المكاسب الهامة في غضون سنوات قليلة جدا، فعلى سبيل المثال إرتفع عدد المليارديرات مثلا من 6 قبل 2002 إلى 26 في سنة 2006م، وهذا ما بعث برسائل ثقة وإطمئنان لكل المتعاملين الإقتصاديين في العالم بأن مناخ الإستثمار جيد في تركيا. هذه الديناميكية إنعكست بالإيجاب على الداخل التركي بإخراج البلاد من الأزمة الخانقة سنة 2001م، والإنتقال بها في فترة وجيزة للغاية إلى مستويات مقبولة من التقدم والإزدهار الإقتصادي اللافت للإنتباه، مثلما ذكر في تقرير منظمة التعاون الإقتصادي والتنمية في أوربا لسنة 2007م معبرا على أن التعافي الذي شهدته تركيا كان (مذهلا) بسبب المؤشرات الإيجابية للغاية على مستوى الإقتصاد بصفة عامة، وتواصلت النجاحات والنتائج الإيجابية طيلة السنوات اللاحقة وبوتيرة متصاعدة حيث أشار تقرير توقعات الإستثمار العالمية (2009-2011) الصادر عن منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأنكتاد) بأن تركيا ضمن أفضل ثلاثين موقعا عالميا لجلب الإستثمار الأجنبي المباشر والتي قاربت 200 مليار دولار في سنة 2010م ، التي كانت حافلة بالإنجازات الإيجابية المتمثلة في إحتلال الإقتصاد التركي للمرتبة 16 على المستوى العالمي، كما أن توقعات النمو تشير لتحقيق نسبة تقدر بـ 6.8% ما يجعلها في المرتبة الأولى أوربيا والثالثة دوليا بعد الصين والهند، وهذا مؤشر كبير يدل على مدى تعافي الإقتصاد التركي في ظل الأزمة العالمية الحالية. مما جعل كل المؤسسات المالية الدولية تمتدحهم نظير آدائهم الإقتصادي المتميز.
إن التجربة التركية رغم حداثة عهدها "ثمانية سنوات من الديمقراطية" كانت ناجحة بكل المقاييس في تبني الفعل السياسي الديمقراطي كمنهج أصيل نحو ملامسة التغيير النابع من الإصلاحات الجوهرية والهامة على المستوى القانوني، الدستوري والإقتصادي...قادة البلاد من هيمنة العلمانيين والنظام العسكري على الحياة السياسية، إلى بلد حداثي مغاير يتمتع بالديمقراطية في ظل الحريات الجماعية والفردية، حقوق الإنسان، حقوق المرأة و حقوق العمال في إنشاء النقابات. وقوة إقتصادية تعتبر الأولى أوربيا في معدل النمو، وهذا ما أدى إلى تقاربها أكثر نحو الأوربيين، وأهلها للعب دور إقليمي ودولي أكبر يناسب حجمها وموقعها الإستراتيجي.
الأحد، 2 يناير 2011
القضية الفلسطينية.
أين القضية؟ بقلم : مصباحي رضا
إن القضية الفلسطينية تجسدت في الصراع العربي الإسرائيلي منذ العام 1948م بكل تداعياتها وحروبها ومفاوضاتها، لكنها تحولت عبر الزمن إلى صراع بين طرفين فلسطيني وإسرائيلي فقط، بدوافع داخلية و خارجية أهمها التخاذل العربي المشين، إنطلاقا من إبرام إتفاقيات السلام
- إتفاقية كامب ديفد 17 سبتمبر1978م مصر.
- إتفاقية أوسلو 13 سبتمبر1993م منظمة التحرير الفلسطينية.
- معاهدة وادي عربة 26 أكتوبر1994م الأردن.
ووصل إلى درجة تقديم المبادرات من دول غير مجاورة للكيان الغاصب وتعتبر رائدة للعالم الإسلامي برمته (السعودية) وعلى لسان أميرها عبد الله بن عبد العزيز ولي العهد آنذاك، والتي تبنتها الدول العربية بالإجماع في قمة بيروت 29 مارس 2002م، كمبادرة للتمسك بالسلام العادل والشامل كخيار إستراتيجي لها، بتقديم العرض التالي:
- إعتبار النزاع العربي الإسرائيلي منتهي بصفة نهائية.
- الدخول في إتفاقيات سلام بين كل الدول العربية وإسرائيل.
- العمل على تحقيق و حفظ الأمن لجميع دول المنطقة بما فيها إسرائيل.
- إنشاء علاقات طبيعية وعادية مع الكيان الإسرائيلي.
مقابل إلتزام تـام من الطرف الإسرائيلي بتطبيق قرارات الشرعية الدولية، والمتمثلة في:
- الإعلان أن السلام العادل هو الخيار الإستراتيجي لها.
- الإنسحاب الكامل من جميع الأراضي العربية المحتلة حتى الخط الرابع من يونيو (حزيران) 1967م تنفيذا لقراري مجلس الأمن (242 – 338)، وقرارات مؤتمر مدريد 1991م، والأرض مقابل السلام.
- التوصل إلى حل عادل لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين يتفق عليه وفقا لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194.
- قبول قيام دولة فلسطينية ذات سيادة على الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ الخط الرابع من يونيو (حزيران) 1967م في الضفة الغربية وقطاع غزة وعاصمتها القدس الشرقية.
غير أن هذه المبادرة لم تجد صداها، ولم يعير لها الطرف الإسرائيلي أي إهتمام يذكر، كما لم تجد الدعم الكافي والمنتظر من المجتمع الدولي بكل هيئاته ومنظماته مما عجل بوأدها منذ اللحظة الأولى.
الغريب في الأمر أن الدول العربية تطلب من إسرائيل قبول قيام دولة فلسطينية في أرضها وعلى حدودها، أي سياسيا وكأنها غير قائمة في الذهن السياسي العربي والفلسطيني، وهذه النقطة بالذات تضر بالقضية برمتها وتنعكس سلبا بإضعاف الموقف الفلسطيني في عملية التفاوض من أجل تحقيق التسوية الشاملة والنهائية، وتجعل الطرف الإسرائيلي يناور سياسيا من موضع قوة، لأنه هو المطلوب منه قبول قيام الدولة الفلسطينية في عملية التسوية، وبالتالي فإن قبوله أو رفضه يتم وفقا لرأيته السياسية التي تخدم مصالح دولته وشعبه.
والأدهى والأمر هو ما نشاهده اليوم من ظاهرة خطيرة جدا إستجدّت على الساحة الفلسطينية والدولية، دخل في صلبها الطرف الفلسطيني من حيث لا يعلم، أو بالأحرى أدخله الإسرائيليون عن قصد، لأنهم إنتقلوا إستراتيجيا من المرحلة الأولى (فك الإرتباط) وهي تهدف لتحييد الصراع العربي الإسرائيلي وتحويله إلى صراع فلسطيني إسرائيلي بإمتياز، بغرض إضعاف الموقف السياسي الفلسطيني وحرمانه من الدعم العربي الكامل كطرف في القضية وشريك فيها، والإكتفاء بموقف المتفرج والداعم ببيانات الإستنكار والتنديد، وهذا ما حصل بالفعل في كل الإستحقاقات السياسية الراهنة، وبالتالي يعتبر ناجحا كاملا للسياسة الإسرائيلية في تحقيق الهدف الأول.
أما المرحلة الثانية والأخطر (التشويش والتشكيك) وهي تهدف إلى تشكيك الطرف الفلسطيني داخليا في قيام دولته وعلى أرضه التاريخية، وهذا ما أنعكس بالسلب سياسيا على السلطة الفلسطينية فأصبحت تبحث عن الدعم والتأييد للإعتراف بقيام الدولة الفلسطينية، مثلما حدث من بعض الدول اللاتينية وعلى رأسها الأرجنتين في هذه السنة 2010م، حيث أصبح الإعتراف إنجازا كبيرا تفرح وتهلل به السلطة، وهو في حقيقة الأمر تراجع سياسي للخلف وبدرجة كبيرة جدا، أصاب السياسيين الفلسطينيين في إيمانهم بقضيتهم وبدولتهم الشرعية والتاريخية على أرضهم. وهذا ما يؤشر لنجاح إسرائيلي للمرة الثانية بإضعاف الموقف السياسي للسلطة الفلسطينية بما يخدم أجندته السياسية لفرض الشروط والإملاءات في ملف المفاوضات النهائية على إعتبار أن الطرف الفلسطيني منهار سياسيا بسبب تحييد الطرف العربي المساند للقضية وتشكيك الفلسطينيين في الموقف الدولي من قضيتهم، وهذا ما يصبوا إلى تحقيقه الكيان الإسرائيلي الغاصب في أفضل حالاته.
كان من المفترض أن تكون إسرائيل المغتصبة للأرض هي من تستجدي المجتمع الدولي للإعتراف بها كدولة كاملة الأركان والعضوية في منظمة الأمم المتحدة، لكن للأسف الشديد إنتقلت الحقيقة بإنقلاب الصورة، و بات صاحب الأرض الحقيقي والتاريخي هو من يستجدي الدول الثائرة ضد الإمبريالية الدولية للإعتراف بدولته الشرعية أصلا.
كما تبدو نبرة الممارسة السياسية للسلطة الفلسطينية متسقة تماما مع وتيرة الطرف الإسرائيلي، مما سهل عليه تحقيق أهدافه بكل سهولة ويسر، وعلى حساب مصلحة الطرف الفلسطيني الذي وصل إلى مرحلة الإنسداد التام لعملية التسوية برمتها، بسبب التعنت الصهيوني لعدم توقيفه للإستيطان بالضفة الغربية، وهذا ما جعل السياسيين يطرحون العديد من الأسئلة وبشكل قوي جدا في هذه المرحلة بالذات، بالنسبة للطرف الفلسطيني طبعا، لأنه هو المطالب بعمل جردة حساب لمسيرة من التفاوض إنطلقت لتحقيق حلم الدولة الفلسطينية منذ إتفاقية أوسلو في عام 1993م و إلى يومنا هذا، وبالتالي الأسئلة تطرح نفسها: أين القضية؟ إلى أين تسير؟ هل هي في الطريق صحيح؟ هل حققت أهدافها المرجوة؟ هل يجب المواصلة على نفس النهج مع زيادة الدعم الكافي؟ هل يوجد ضرورة لتغيير المسار والنهج برمته؟.
كل الأجوبة المقترحة لهذه الأسئلة ستحيلك إلى نقطة واحدة فقط وهي ضرورة تغيير المسار كليا بغرض تصحيح كل الأخطاء السابقة. كان يجدر بالقيادة الفلسطينية ممثلتا في شخص الرئيس عباس ومن معه ممن لهم سلطة القرار أن يؤمنوا بأن دولة فلسطين قائمة بالنسبة لهم على الأقل، والعمل بهذا المنطق وفرضه على الجميع، حب من أحب وكره من كره سواء إعترف العالم كله أو لم يعترف، لأن هذا الإيمان الراسخ في الذهن والقلب والوجدان إنطلاقا من التاريخ والأرض والشعب، وكلها عناصر شكلت الدولة الفلسطينية قبل الإحتلال الإسرائيلي أصلا.
وحتى لا نقول كلاما إنشائيا للسلطة، نأخذ لها من واقع الممارسة السياسية الدولية نموذجا ناجحا وواضحا في هذا السياق، وهو التجربة الإيرانية الماثلة أمامنا اليوم، حيث نجد الإسرائيلين ومن ورائهم كل الغرب يرفضون حق إيران في إمتلاك الطاقة النووية لعدم إختلال موازين القوى في منطقة الشرق الأوسط لغير صالح إسرائيل، ولكن الساسة الإيرانيين بالرغم من كل الضغوط والعقوبات يؤمنون إيمانا قاطعا وراسخا بأنه من حقهم إمتلاك هذه التقنية المشروعة، وساروا في تنفيذ مشروعاتهم العلمية لتحقيق ما يؤمنون به لخدمة مصلحة شعبهم وبلدهم، وبالتالي فرضوا منطقهم على العالم بأسره، وهذا ما جعل الغرب يتدخل لكي يوقف الإسرائليين عن فعل أي تهور عسكري يضر بالمنطقة برمتها، إضافة إلى دعوة للمفاوضات من الإتحاد الأوربي وأخرى من المجتمع الدولي لعرض حزمة من الإمتيازات الإيجابية لدعم إيران حين التوقف عن برنامجها العلمي. والعبرة الأساسية هنا أن تكون الممارسة السياسية للإيرانيين قدوة لأصحاب القرار الفلسطينيين بالإيمان بقضيتهم وفرض منطقهم على الجميع بما يخدم مصالحهم ومصالح شعبهم.
ولتجسيد هذا المنطق، على عباس بصفته صاحب القرار في دولة فلسطين، أن يكف عن هذه المفاوضات العبثية بالمفهوم السياسي، والتي لا طائل من ورائها سوى ربح الوقت للطرف الإسرائيلي الذي يظهر كمتعاون وراغب في تحقيق السلام عكس الفلسطينيين الغير قادرين على فعل ذلك، وبالتالي عليه أن يوجه كل طاقاته وسلطاته في جمع ولم شمل كل التيارات السياسية الفلسطينية بمختلف تلويناتها الإسلامية، القومية والإشتراكية، وكل من له القدرة على فعل أي شيئ يفيد القضية برمتها، لأن العمل الوحيد في هذه المرحلة والذي يفهمه الإسرائيليون ومن ورائهم الأمريكان والأوربيين هو وحدة الصف الداخلي، وهو الضمان الوحيد للرد على تعنت الطرف الآخر. الوحدة في مشروع سياسي مشترك ومؤقت هدفه التحرير بكل السبل والوسائل المتاحة، على قاعدة كل الخيارات والبدائل السياسية متوفرة ومفتوحة للنقاش والحوار، لا مفاوضات ولا لقاءات مع الطرف الأخر بكل مكوناته الإسرائليين، الأمريكان والأوربيين ( جورج ميتشل مبعوث الرئيس الأمريكي للسلام في الشرق الأوسط – توني بلير مبعوث الرباعية للسلام في الشرق الأوسط).
فإذا تحققت الوحدة في هذا المشروع السياسي سوف يكون لعباس الفضل في الرجوع بالمنظمة إلى جادة الصواب، أما إذا لم يستطع فقد إنتفى مبرر وجوده على رأس السلطة بسبب عجزه عن خلق الحلول السياسية إنطلاقا من الداخل الفلسطيني، والعمل دائما على إنتظار العامل الخارجي لتقديم المبادرات ( الرباعية – الراعي الأمريكي ) التي في غير صالح الشعب الفلسطيني غالبا، لكن عباس يتعامل معها بكل جدية وحزم، وهذا دليل قاطع على إفلاسه السياسي، حيث لم يعد في جعبته ما يقدمه لفائدة للقضية. وهذا عكس المغفور له أبو عمار الذي كان يخرج من عنق الزجاجة دائما، فكلما واجهته أزمة حقيقة بين مختلف الأطراف السياسيين إلا أستطاع إستيعابها وبسرعة كبيرة جدا، وأكبر دليل على ذلك عدم وصول حالة الإنقسام والإنسداد بين فتح وحماس إلى هذه الحدة التي نراها اليوم طيلة فترة حياته على رأس السلطة الفلسطينية.
ونظرا للمسؤولية السياسية الملقاة على صاحب القرار في السلطة، حيث عليه تحريك الملف برمته والإمساك بزمام الأمور لخلق الحلول إذا لم تأتي من الخارج على الأقل، فيكون له طرح وتصور وبدائل تنطلق من الداخل الفلسطيني ليشركها في المعادلة السياسية ويفاوض بها على أقل تقدير، وأبسط مثال على ذلك خيار المقاومة الذي تطرحه عديد القوى السياسية في المجتمع، وكلها أرواق سياسية قوية تصب في مصلحة القضية، ولكنه يتغاضى عنها؟.
يجب على صاحب القرار أن يكون بقدر المسؤولية أو يترك المجال لغيره إذا كان عاجزا عن فعل أي شيء يخدم قضيته، عليه أن يكون رئيسا وزعيما لكل الفلسطينيين، وأن يؤمن بالدولة التي هو زعيمها سواء إعترف بها الغير أو لم يعترفوا، وبذلك يكون السياسي الحقيقي الناجح الذي يريد فعلا تحرير بلده، ولكم في ذلك الجزائر كأفضل نموذج حاضر في أذهاننا، حيث إجتمع كل السياسيين على قلب رجل واحد في حزب جبهة التحرير الوطني، وفي مشروع سياسي واحد وهو التحرير، ولمّا آمن الرجال بهذه القضية التي يناضلون من أجلها ويبذلون لها كل غالي ونفيس تحقق لهم النصر، لأنهم أتبعوا السنن الكونية التي من أنتهجها وصل إلى مبتغاه، ومن لم يصل يكفيه شرف المحاولة في خدمة القضية.
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)




