تونس: ثورة حرية سبقت القلم. بقلم: مصباحي رضا
فعلا إنها ثورة شعبية نحو الحرية بأتم معنى الكلمة، بالرغم من كل جهود الإجهاض التي مارستها العديد من المواقع الإعلامية والسياسية المرتبطة بالحكومات، والتي لا ترغب في إكتساب الشعوب لزمام أمورها، كما تتجاهل تضحيات المواطنين البسطاء، النقابيون، الحقوقيون، المحامون، الأطباء، الفنانون والمثقفون،....وكل أطياف المجتمع التونسي التواق للإصلاح والتغيير، دون أن ننسى الشباب وما أدراك ما الشباب، الذي كان عنوان الثورة ووقود النار بإمتياز، بالكثير من الدماء والأرواح التي أزهقت في ربيع العمر قربانا للحرية.
المفارقة العجيبة..!! هي أن هذا الشباب المنتفض هو من جيل الرئيس المخلوع "زين العابدين بن علي"، ولدوا في ظل حكمه، وتكوينهم الفكري والحضاري نتاج سياسات نظامه التعليمية والإجتماعية. وهذا مؤشر ضعف للحزب الحاكم وسياساته في قيادة تونس نحو الديمقراطية والحداثة.
لقد هممت بكتابة مقال في الأيام الأولى للأحداث، لكن سبق السيف النبأ، لأن توالي الأخبار وتسارع الأحداث كان أسرع بكثير من جرة القلم، وبسالة المواطن العادي والبسيط الذي فاق بتطلعاته لإسترداد الحرية والكرامة كل السياسيين، المثقفين والمنظرين، وعمل على صنع غده بيده. ما جعلها أول ثورة متميزة في العالم العربي نحو الحرية، تستحق منا التحليل والنقاش لأخذ الدروس والعبر المستفادة لباقي الدول العربية.
ثورة سلمية
أهم صفة بارزة لهذه الثورة طابعها السلمي، الذي لم نشهد مثله من قبل في العالم العربي المليء بالإنقلابات السياسية والعسكرية وإفرازاتها المهيمنة على الطاقات الديمقراطية في المجتمعات، وهذا الإختلاف الجوهري أهلها لتسمى بثورة "الياسمين" كناية على التغيير الحضاري بكل السبل السلمية المتاحة للشعب من إضرابات، تظاهرات، هتافات ورفع اللافتات، دون إحداث أي أعمال عنف، شغب، حرق أو تكسير. وكل ما سجل من أعمال تخريب طيلة الأحداث نسب لأذيال النظام السابق من الأمن الرئاسي الفاسدين، بغرض تشويه الثورة لدى السكان، وبث الرعب والفزع في نفوسهم لإفساد مغزاها برفض التغيير.
ورغم أن التكوين النفسي والإجتماعي للإنسان التونسي تفيد بأنه سلمي بطبعه، ولا يرغب في التوترات والنعرات والشغب، إلا أن رغبته المشرئبة للحرية كانت أكبر من كل الضغوطات والمحن، فواجه الرصاص بصدر رحب ثمنا للإصلاح والتغيير، وكان في مستوى التحديات التي فرضتها الثورة وبها نال الحرية وأصبح مثالا ونموذجا يحتذى به لكل الشعوب العربية.
صورية المؤسسات
كل المشاهدين من الخارج يعتقدون بأن النظام القابع على نفوس التونسيين منذ من أكثر من خمسة عقود من الزمن، يمسك بزمام الأمور ويبسط سيطرته على مختلف مناح الحياة اليومية للمواطنين، لكن ثورة "الياسمين" كشفت زيف النظام، وأوضحت جليا مدى صورية المؤسسات التي كان يعتمد عليها الحزب الحاكم "التجمع الدستوري الديمقراطي"، وإلا كيف نفسر عدم خروج الشعب التونسي المنتمي للحزب وهم بالملايين على الورق، للذود عن مكاسبهم المشروعة من رئيسهم وحزبهم ونظامهم المحبوب لهم كما هو مسوق قبل عهد الحرية. ما دلّ على أنها كانت مجرد بروباقاندا إعلامية فارغة المحتوى، وكل الهيئات والمنظمات المدنية كانت صورية لا تعتمد على المشاركة الحقيقة والفعالة لمن لهم الكفاءة والمقدرة في تقلد المناصب والتسيير، والولاء للفرد كان هو عنوان المرحلة وشعارها.
وأكبر دليل على ذلك الفئة التي خرجت اليوم للدفاع عن الحزب ومكتسباته للرجوع للعهد السابق، من خلال المحاولات اليائسة لإخافة الناس بنشر الرعب في نفوسهم من مضار التغيير، فأستعملوا شتى أنواع الفساد من نهب، سلب، سرقة، عبث وحرق للممتلكات الخاصة والعامة للشعب. وهذا ينبئك عن نوعية المؤسسات القائمة والمنتمين لها، فهم ليسوا أناس عاديين إنما عصابات مافيوية منظمة بشكل جيد، تقوم بدورها التخريبي كلما طلب منها ذلك. والعالم العربي مليء بمثل هذه المؤسسات المحببة لنفوس الحكام، لكن الوضع أكيد أنه سوف يتغير بعد هذه الثورة المباركة.
دور الجيش
من ضمن المكاسب التي راهن عليها الشعب التونسي في ثورته كان الجيش الشعبي الوطني، وهذا الأخير لم يخذلهم وأحسن التصرف معهم، بالوقوف على نفس المسافة بين الطرفين الشعب والرئيس، لفسح المجال واسعا للحلول السياسية الممكنة، ولتجنيب البلاد مآسي الدمار والخراب. وهذا مؤشر واضح في عدم رغبة الجيش خوض غمار السياسة وترك المجال للمدنيين.
موقف إيجابي سجل في تاريخ الجيش التونسي الذي لم يطلق ولا رصاصة واحدة في وجه الشعب، بل صرحت بعض المصادر من المعارضة بأن الرئيس أمر بإقالة أحد قادة هيئة أركان سلاح البر الجنرال "رشيد عمار" وإستبداله بقائد الإستخبارات العسكرية الجنرال "أحمد شبير" لعدم إعطائه الأوامر بقمع إنتفاضة الشعب.
كما ساهم بشكل مباشر وفعال في الحسم النهائي للأزمة حسب بعض المصادر الإعلامية، بالتدخل لدى رئيس الجمهورية المخلوع وفرض التسوية عليه، فيترك بموجبها زمام الحكم للشعب والقوى الديمقراطية فيه ويخلى سبيله للسفر خارج الوطن، وكانت صفقة ناجحة من جهة جنبت البلاد المزيد من التعنت للرئيس وزهق الأرواح البريئة على خطى الحرية، وخاسرة من جهة أخرى حيث كان لزاما على الشعب محاكمة هذا الطاغية المتجبر، الناشر للفساد والناهب لأموال الشعب، ولكي يكون عبرة لكل حاكم عربي طاغية.
إنها صورة مشرفة لجيش وطني إنحاز للمصلحة العليا للبلاد على حساب المصلحة الشخصية للرئيس، وهذه بادرة حسنة يشكر عليها الجيش التونسي، وسوف تكون سنّة حميدة تحتذي بها كل الجيوش العربية عند الأزمات.
دور الصحافة الإلكترونية
من المستجدات الهامة والمكتشفة في ثورة "الياسمين" الحديثة، دخول نوع جديد من أدوات الصراع المؤثرة بشكل كبير وحاسم على خط النضال من أجل الحرية. وهي سلاح المستقبل "الصحافة الإلكترونية" حيث لعبت دورا كبيرا في نقل الأحداث والحقائق عن ما يجري بالداخل التونسي ويتم التعتيم عليه بدرجة كبيرة من التكتم، لمصلحة النظام وما يقوم به من أعمال وحشية لقمع الثورة منذ بدايتها ودون علم أحد كما جرت العادة، لكن هذه المرة خابت آمالهم لأن كل ما يدور في الداخل من قتل وضرب يشاهد خارج نطاق الحدود التونسية في فضاء العالم الإفتراضي، الذي يمكّن لكل فرد أن يكون صحفيا دون الحاجة لأموال كبيرة لإنشاء قناة تلفزية، وما يلزمه إلا جهاز هاتف نقال لتصوير الأحداث بالصوت والصورة ثم نشرها للعالم عن طريق الفضاءات الإجتماعية للتواصل مثل (facebook – twitter – youTube ) فكانت هذه التقنية فعالة بدرجة كبيرة جدا لأنها أصبحت من أهم المصادر لتقديم المادة الإعلامية والإخبارية بالصوت والصورة للقنوات الفضائية التي بدورها تقوم بنشرها مع إضافة التحليل والنقاش مستعينين بالأساتذة والمختصين المعنيين بالمواضيع المنشورة.
لقد بات "للصحافة الإلكترونية" دور كبير تلعبه في المستقبل القريب نحو إجبار الجميع على نقل الحقيقة للمتلقي، لأنك مهما زيفت الحقائق فستجد الصورة مقلوبة على الأنترنيت وفي لحظة من الزمن. وهذا ما يبشر بإمكانية حدوث إنفتاح كبير نحو مصداقية الإعلام العمومي المرئي والمكتوب في العالم العربي، وإنتقاله من مجرد بوق لتلميع صورة الأنظمة إلى وسيلة فعالة متاحة لخدمة الشعب.
المواقف الدولية
يبدو أن العالم بأسره في حالة ذهول مما حصل في دولة تونس الشقيقة، وما جسد هذا المشهد بأكثر وضوح العالم العربي الذي لم يحرك ساكنا تجاه الثورة التونسية، فكانت ردود الفعل الرسمية باهته جدا على عكس الشارع العربي. فلم نشهد أي تعليق يذكر سوى بعض المواقف المحتشمة جدا، حيث غابت كل دول المغرب العربي عن التعليق إلا الزعيم الليبي الذي تهجم على التغيير الذي لم يعجبه من وجهة نظره، لكثرة الأموات من أجل رئيس جديد يخلف رئيس السابق.
دول المشرق والخليج صامته كذلك، ما عدى دولة قطر وعلى لسان مسؤول في وزارة الخارجية أن "بلاده تحترم إرادة الشعب التونسي"، أما عن المملكة العربية السعودية فقد أشار بيان للديوان الملكي بأنها "ترحب بكل إجراء يعود بالخير على الشعب التونسي الشقيق"، وبالنسبة لمصر فقد صدر بيان لوزارة للخارجية المصرية يعلن "مصر تؤكد إحترامها لخيارات الشعب في تونس الشقيقة"
تبنت الجامعة العربية وعلى لسان أمينها العام موقفا يتلخص في متابعة الأحداث بقلق كبير وإجراء الإتصالات مع كل المسؤولين، إضافة إلى طرح الأوضاع المستجدة على الساحة التونسية في القمة الإقتصادية المزمع عقدها في شرم الشيخ بمصر، كما أشار إلى أن موضوع تونس سيبحث في إجتماع وزراء الخارجية العرب، وسيكون لتونس ممثل في الإجتماعات السياسية التي تسبق القمة.
أما على المستوى الدولي فقد سجلت العديد من المواقف أهمها الأمم المتحدة وعلى لسان أمينها العام الذي أعرب عن القلق إزاء التطورات والأسف للخسائر في الأرواح، كما دعا لتطبيق الديمقراطية وإحترام حرية التعبير والتجمع.
وكان موقف الولايات المتحدة قد تبلور على شكل إشادة بشجاعة وكرامة الشعب التونسي، ودعا الرئيس لإجراء إنتخابات نزيهة وحرة، كما أدان إستخدام العنف ضد المواطنين المسالمين، وحث الجميع على إلتزام الهدوء وعدم اللجوء للعنف.
تجسد موقف الإتحاد الأوربي بالدعوة لتطبيق الديمقراطية وإلتزام الهدوء. وعلى نفس النهج سارت بعض الدول الأوربية مثل بريطانيا التي صرحت بأن الشعب التونسي يعيش لحظة تاريخية بسبب تعبيره عن تطلعاته، وألمانيا التي دعت للحوار والحل السلمي لتفادي التصعيد نحو العنف. أما عن فرنسا فقد كان موقفها متذبذبا في المرة الأولى كان مساندا للرئيس المخلوع الذي يعتبر حليفا لها في محاربة التيار الأصولي في تونس، بإعتبار أنها كانت تعوّل عليه في حسم الأمور لصالحه، لكن تسير الرياح بما لا تشتهي السفن، وهذا ما جعلها تركب الموجة وتغير موقفها لصالح الشعب التونسي علها تتدارك خطأها فأعربت عن أملها في تحقيق التهدئة وإنهاء العنف، وإتخاذ الحوار سبيلا لإنهاء الأزمة وتحقيق الديمقراطية، مما يؤكد بأن فرنسا لا تهمها الحريات والديمقراطية بقدر همها بتحقيق مصالحها. كما أنها رفضت قدوم حليفها بسبب عدم رغبتها في إثارة المشاكل والقلاقل من طرف الجالية التونسية الكبيرة المتواجدة على أراضيها.
طبيعة التغيير
أفضل ما في هذه الثورة المباركة أنها إنطلقت من الداخل التونسي وبأيادي شباب تونسي مخضبة بالدماء، حيث سقطت العديد من النظريات التي تؤمن بضرورة التغيير من الخارج كأفضل وسيلة، كما أصبح النموذج التونسي علامة مسجلة في الميدان السياسي بإمكانية الشعوب العربية كسر حاجز الخوف، والقيام بثورات ناجحة ضد الظلم، الطغيان الإستبداد، الفساد والجبروت كلما كان الشعب متسلحا بالإيمان بالذات، وتحلى بالإسرار الدائم على عدالة القضية التي تبناها، وحملها على عاتقه من أجل تحقيق حرية وكرامة الإنسان العربي.
الرهان الحقيقي اليوم والذي يواجه ثورة "الياسمين" كتحدي جدي في معترك تحقيق الأهداف التي قامت من أجلها، والدماء التي سالت للضحايا الذين بذلوا أنفسهم وأرواحهم رخيصة وذليلة في سبيل الحرية والكرامة، وحتى تكتمل نجاحاتها على أتم وجه، يجب التفطن لثلاثة أشياء مهمة للغاية وهي الحذر الشديد من أن يقفز الغرباء ويستولوا على نضالات ومكاسب الأوفياء، العمل على تحقيق الأمن وبأسرع وقت ممكن ليعود الوضع كما كان سابقا لكن في كنف الحرية والكرامة، ضرورة التحلي بالتوافق السياسي بين مختلف الأطياف السياسية المتنوعة، والذي يجلب الإستقرار بما يجعل الثورة في مستوى تطلعات الشعب التونسي.
وحينها يجدر بالحكومة الجديدة المنبثقة في ظل الديمقراطية، إنجاز نصب تذكاري وسط العاصمة التونسية أو في ولاية سيدي بوزيد، تخليدا لذكرى ثورة "الياسمين" وبأسماء كل الشهداء الذين قضوا في سبيل حرية الشعب التونسي، إبتداء من الشهيد "محمد البوعزيزي" إلى غاية آخر قطرة دم أريقت، وحتى يزوره كل عربي لم يستطع فعل أي شيء في بلده نحو تحقيق الحرية.


هناك تعليق واحد:
إذا الشعب يوما أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر ... قالها الشابي ومضى لكنه لم يقل شعرا .. بل نظر للحرية حمراء كانت أو بيضاء الحرية التي أرادها دوما الشعب التونسي وكل الشعوب المضطهدة و لأن الشعب التونسي لم يثور من أجل عمل أو قطعة خبز لكنه كره العناكب الجاثمة على حروفه الصارخة بكلمة لا لا لا
إرسال تعليق